أبو حسان الزيادي والخراساني

عن الإمام العلامة الحافظ مؤرخ العصر القاضي أبو حسان الزيادي قال : كنت وليت القضاء من قبل أبي يوسف القاضي رحمه الله ثم صرفت وتعطلت وأضقت إضاقة شديدة وركبني دين فادح حتى ألحّ عليّ الخباز والقصّاب والبقّال وسائر المعاملون وضايقني أرباب الديون ، ولم يبق لي حيلة ، فأنا يوماً على هذا الحال وأنا مفتكر في أمري ، إذ دخل عليّ غلامي ، فقال : بالباب حاج يستأذن عليك ، فقلت : أئذن له ، فدخل رجل أعجمي خراساني فسلم وقال : ألست أبا حسّان ؟!! قلت : بلى فما حاجتك ، فقال : أنا رجل غريب أريد الحج ومعي عشرة آلاف درهم وقد احتجت أن تكون قِبلك إلى أن أقضي حجي وأرجع ، فقلت : بسم الله هاتها فأحضرها بين يدي فتسلمتها منه وخرج بعد أن وزنها وختمها ، فلما خرج فككت الختام عن البِدرة ثم أحضرت المعاملين وأرباب الديون وأعطيت لكل رجل ماله عليًّ من الدين واتسعت وأنفقت وقلت : أضمنها في مالي إلى أن يعود من الحج ، وإلى أن يجيء ، يأتي الله بفرج من عنده. مكثت يومي ذالك في سِعة وفرح وأنا لا أشك في خروج الخراساني فلمّا أصبحت من الغد دخل علي الغلام وقال : الخراساني الذي أودعك البدرة ، بالباب. فقلت ائذن له ، فدخل وقال : إني كنت عازماً على الحج والآن قد ورد عليّ الخبر بوفاة والدي وقد عزمت على الرجوع إلى بلدي فأمر لي بالمال الذي أعطيتك أمس قال : فورد عليّ من ذالك أعظم مورد لم يرد عليّ مثله قط وتحيرت في أمري ولم أدري بما أجيبه فتفكرت وقلت : ماذا أقول للرجل ؟!! ثم قلت : عافاك الله منزلي هذا ليس بالحريز ولما أخدت مالك وجهته إلى ما هو أحرز من هذا المكان فعد إليّ من الغد لتأخده فانصرف وبقيت مهموما متحيراً لا أدري ما أصنع!! إن جحدته قدمني إلى القاضي واستحلفني ولحقتني الفضيحة في الدنيا والآخرة وإن دافعته صاح وهتكني ، وتحيرت في أمري وأخذني الهم والغم إلى بلوغ الغاية حتى أدركني الليل وفكرت في بكور الخراساني فلم يأخدني النوم ولا قدرت على الغمض قمت إلى الغلام ، فقلت : أسرج البغلة. فقال : يا مولاي هذا أول الليل إلى أين تمضي ؟!! فرجعت إلى فراشي فإذا النوم ممتنع علي فلم أزل أقوم إلى الغلام وهو يردني حتى فعلت ذلك مرّات وأنا لا يأخذني القرار. حتى طلع الفجر وأُسرج البغلة فركبت وأنا لا أدري أين أتوجه فطرحت عنان البلغة وبقيت حتى وصلت الجسر فعدلت بي إليه فتركتها فعبرت ثم قلت : إلى أين أمضي وإلى أين أعبر ؟!! ولاكن إن رجعت وجدت الخراساني على بابي!! أدعها تمضي حيث شاءت فمضت البغلة فلما برت الجسر أخذت البلغة يمنة ناحية دار المأمون فتركتها حتى قاربت دار المأمون والدنيا مظلمة وإذا بفارس قد تلقاني ونظر في وجهي ثم سار وتركني ثم رجع إليَّ فقال لي : ألست : أبا حسان الزيادي ؟!! فقلت : بلى ، فقال : إليك بعثت أجب الأمير الحسن بن سهل ، فقلت : وما يريد مني الحسن بن سهل ؟!! ثم سرت معه حتى وصلنا إلى بابه فاستأذن لي عليه فأذن لي فلما دخلت وسلمت قال لي : يا أبا حسان ما خبرك وما حالك وما قطعك عنا ؟!! فقلت : لأسباب وذهبت أعتذر ، فقال : دع هذا عنك أنت في لوثة وفي أمر ما هو فإني رأيتك البارحة في المنام تخليط كثير . فابتدأت وشرحت له قصتي من أولها إلى لقيني صاحبه ودخلت عليه ، فقال : لا يغمك الله يا أبا حسان قد فرّج الله عنك هذه بدرة للخراساني مكان بدرته وبدرة أخرى لك تنتفع بها كي توسع بها على نفسك وعيالك وإذا نفذت طالعنا بذالك ، فقبلت يده ورجعت إلى بيتي مطمئناً فإذا بالخراساني على بابي فقضيت ما كان له واتسعت بالباقي وفرّج الله وله الحمد والشكر والثناء الحسن وهو أهله . ويروى أن الخراساني لما قبض المال من أبي حسان قال له : قد كنت حملت هذه الدراهم لأساعد بها أهل المروءات على مرواءتهم ولا أجد لها مستحقاً مثلك فاقبلها مني ، ولم يزل به حتى قبلها منه فسبحان الذي بيده ملك كل شيء .


لا تنسوا عبدالله " ياقوت " من صالح الدعاء .

حُرِرَت من قِبل في الثلاثاء، 26 أيار 2015

لا يوجد تعليقات، كُن أول من يكتب تعليقاً..
الرجاء تسجيل الدخول للتعليق