أنتَ أم أنتِ؟

كان من ضِمنِ مَن قابَلتُهم ولَم أعرف اسماءَهم مِن قبل.  حيّاني مِن الطرفِ الآخرِ مِن الطاولة من غَيرِ مُصافحة وجَلسَ مُقابِلي.  حاوَلتُ أنْ أعرِفَ إنْ كانَ شابًا أو فتاة لأُقرِّرَ أيُّ ضمائر المُخاطَب أستعمل في الحديثِ مَعه.

فالجِسمُ رياضِيٌ ورَشيق، وشَعرُ الرأسِ قَصيرٌ وأنيق، والوَجهُ لِشابٍ أمردَ أو حليق، أو لِفَتاةٍ ابتعدت عن المساحيق، والصوتُ لا هوَ رقيقٌ ولا هو زَعيق، والبنطلون جينزٌ أزرقٌ لَيسَ فيه ضيق، والجزءُ الأعلى من الجسمِ أخفَته بلوزةٌ فضفاضة ذاتُ طاقيةٍ لها بريق. لا زرارات قميصٍ أسترشد باتجاه تزريِرها، ولا بنطال ظاهر جهة إقفاله لأن البلوزة الواسعةُ ذاتُ الأكمام أحكمتْ إخفاءَه، والحذاءُ الرياضي يَصلُحُ للجنسين على السواء. فَشِلَت مَعي كُل جُهودِ امتحان الهيئة، فقلتُ اسألُ عن الإسم مَعَ تجنبِ استعمالِ ضمائرِ المُخاطَب الدالةِ على التذكيرِ أو التأنيث.

أنا: هل مِن الممكن أنْ نَتَعرّفَ على الإسم؟

جليسي: اسمي أُميّة

فَقُلتُ لنفسي: أُميةُ بن خَلَف أم أُميةُ بنت قيس؟ فقلتُ سأسالُ عن المَدرسة لَعلّهَا تكونُ مدرسةَ سُكينة بنت الحسين للبنات أو مَدرَسةَ كلية الحسين للبنين، أو ما شابَه ذلك، مع الحرصِ على تَجنُّبِ ضمائرِ المُخاطَب.

أنا: التوجيهي من أيِّ مدرسة؟

جَليسي: من مدرسة اليوبيل.

أنا: ما شاءَ الله! مدرسةٌ مميزة للشباب والشابات المتفوقين.

جليسي: نعم كُلُّنا كُنا متفوقين.

فقلت لنفسي: لا بُدَّ من البحثِ عَن أسئلةٍ أكثرُ تَمييزًا دونَ أنْ أظهرَ بِصورةِ المُحققِ في مطاراتِ أمريكا.

أنا: ما هو التخصصُ الجامعي؟

جليسي: علمُ حاسِب.

أنا مُبتسمًا: من كان أكثر تفوقا في كُلّيتِكُم في علم الحاسب، الفتياتُ أم الشباب؟  وكنتُ أتوقعُ جوابًا مُنحازًا لأحد الطرفين مثل: الفتياتُ طبعا، أوالشبابُ بالتأكيد.

جليسي: الفتياتُ في الإمتحانات والترتيب والشبابُ في البرمجةِ والتطبيق.

أنا: نعم، أنا أيضا لاحظتُ ذلك مع بعض الإستثناءات.

أنا لنفسي: هل يمكن الإستعانة بصديق قبل أنْ أقعَ في المزيد من الضيق؟

وإذا بِفتاةٍ تدخل علينا لِتأخُذَ شيئًا نَسيَتهُ على الطاولة، فقالَت لجليسي: أميةَ أنا أبحثُ عَنكِ منذُ الصباحِ يا حبيبتي؟

أمية: سأراكِ بعد أن أنتهيَ إن شاء الله.

فقلتُ لنفسي: الحمدُ لله! هذا هو الصديق وقت الضيق الذي تمنيتُ الإتصال به للمساعدة ولم أعرفه من قبل. وحمدتُ اللهَ أنني لم أُبحر في الأسئلة أكثر مما فعلتُ، ولم أستعمل ضمائر التذكير والتأنيث في غَيرِ مَحلِّها تَجنُبًا للإحراج.

ثُمَّ تذكرتُ قِصةَ الحاكِمِ الذي أرادَ أن يُحرِجَ أحدَ وُزرائِهِ أمامَ الشُعراء والكُتّاب في مَجلِسِه وكان الوزيرُ يَلتَغُ  بِحَرفِ الراءِ، فقالَ لَهُ الحاكمُ: هل تستطيع أنْ تتلوَ  هذه الرسالة لمن في المجلس:
"أمرَ أميرُ الأمراءِ بحفرِ بئرٍ في الصَّحراءِ، ليشربَ منها الفقراء"

فببديهة الوزير السريعة وذكائه بدلها بالنص التالي:
"حَكَمَ حَكيمُ الحُكماءِ، بنبشِ جُبٍّ في البيداءِ، ليسقيَ مِنهُ الضُّعفاء"

فأُعجبَ الحاكمُ بجوابه ومدحه كل من في المجلس، ولو كنتُ على مستوى ذكاء الوزير وحضور بديهته لما تورطتُ هذه الورطة.

أسعد الله صباحَكم وملأ نهارَكم بصالحِ الأعمال.

- كتبها الأستاذ حُسين العُمري.
حُرِرَت من قِبل في الاثنين، 22 كانون الأول 2014

السعودية /الشرقية

كتابات دافئة للدكتور حسين وحَطبُها حروف لغتنا الام العربية فلا اجمل ولا ادفىء رائع عزيزي