أولئكَ القومُ ...

عِندَما فُتِحَتْ مَدائِنُ كِسرى على المسلمين، وَتَوَغَّلَ العربُ في أرضِ العَجَم، أرسلَ مَلِكُهم (يَزْدَجَرد) رسولاً إلى مَلِكِ الصينِ يَستَنجِدُ بِه على العربِ، ومِن عادةِ الملوكِ أَنَّهُم يُنجِدُ بَعضَهُم بعضا عِندَ الأزماتِ، ولَمّا عَادَ الرسولُ عادَ مُثقَلاً بالهدايا مِن قِبَلِ مَلكِ الصين، وقال ليزدجرد: لقد سألَني عِن القومِ الذينَ غَلبونا على بلادِنا، وقال: إنَّكَ تَذكُرُ قِلَّةً مِنهم وكَثرَةً مِنكُم، ولا يَبلُغُ أمثالَ هَؤلاءِ القليلِ الذينَ تَصِفُهُم مِنكُم فيما أسمع مِن كَثرَتِكُم إلا بخيرٍ عِندَهُم وشَرٍ فيكُم.
فقلت: سلني عَمّا أحببتْ إن شئت.
فقال: أيوفون بالعهدِ إذا عاهدوا؟
قلت: نَعم.
قال: وما يقولون لَكم قبل أن يقاتِلوكم؟
قلت: يدعوننا إلى واحدةٍ مِن ثلاث:
إما أنْ نَتَّبِعَ دِينَهُم، فإن أجبنا أجرونا مَجراهُم، لَنا ما لَهم وعلينا ما عليهِم. أو الجزيةُ، والمَنَعةُ أو المُنابَذةُ.
قال: كيفَ طاعَتُهُم أُمراءهِم؟
قلت: أطوعُ قومٍ لمُرشِدِهم.
قال: فما يُحِلُّون وما يُحَرِّمون؟
فأخبرته: أنَّهم يُحرِّمونَ الخبائثَ والفواحِشَ والأضاليلَ وكُلَّ مُنكَرٍ وَشَر.
فقال: أَيُحَرِّمونَ ما يُحِلُّون أو يُحِلُّون ما يُحَرِّمون؟
قلت: لا، فَهُم يؤمنونَ بأنَّ شَريعَتِهِم ثابتةٌ خالدةٌ بِكِتابِهم المُنزَلِ الذي يَعتَقِدونَ
 أنّه في حِفظِ اللهِ لَهُ أثبَتُ مِن الأرضِ وأبقى مِن السماءِ، وقاعِدَتُهم أنْ لا طاعةَ لِمخلوقٍ بمعصيةِ الخالقِ.
قال: فإن هؤلاء لا يَهلِكونَ أبدا حتّى يُحلُّوا حرامَهُم، فَيُصبِحُ الشَّرُ عِندَهُم خَيرا، ويُحرِّموا حَلالَهم، فَتُصبِحُ الفَضيلَةُ عِندَهُم رَذيلة.
فأخبرته: إنهم يقولون: (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) [الأعراف: 26].
فقال: أخبرني عن مطاياهُم.
فقال: العقلُ والمشورةُ، وحكمتهم الماثورةُ: أنَّ مَن أُعجِبَ بِرأيِهِ ضَل ومَن استَغنى بِعَقلِهِ زَل.
قال: ما الذي وَصَلَ إلى عِلمِكُم مِن مُعامَلَتِهِم؟
قال: يَتَقيَّدونَ بما أمَرَهَم بِهِ رَسولُهم، وهو أن أحَدَهُم لا يَحيفُ على مَن يَبغُض، ولا يَأثَمُ فيمَن يُحبُّ، يَعتَرِفُ بِالحقِّ وإن لَم يَشهَد عليه، ولا يَغلِبُهُ الشُّحُ عَن معروفٍ يُريدُهُ.
فكتبَ مَلِكُ الصينِ معَ الرسولِ إلى يزدجرد:
إنَّهُ لَم يَمنَعني شَيءٌ أنْ أبعَثَ إليكَ بِجَيشٍ أوَلُهُ بِمَروٍ وآخِرُهُ بالصينِ، ولكن هَؤلاء القومِ الذين وَصَفَهَم لي رسولُك لو يحاولون الجبالَ لهدّوها ولو خَلا لهم سَربُهم أزالوني ما داموا على ما وَصَفَ، فَسَلِّمهُم وارضَ مِنهُم بالمُساكَنةِ، ولا تُهِجهُم ما لَم يُهيجوكَ.

 

من كِتاب، مُختارات ولطائِف، لعَبدِالمَلِكِ القاسِم.

حُرِرَت من قِبل في الثلاثاء، 02 تشرين الثاني 2010

لا يوجد تعليقات، كُن أول من يكتب تعليقاً..
الرجاء تسجيل الدخول للتعليق