المأمون وصاحب الفحمة

أشرف المأمون يوماً على قصره فرأى رجلاً يكتب بفحمةٍ على حائط قصره. فقال المأمون لبعض خدمه : اذهب إلى ذلك الرجل فانظر ما كتب وأتني به. فبادر الخادم إلى الرجل مسرعاً وقبض عليه وقال: ما كتبت ؟!! . فإذا هو كتب هذين البيتين:يا قصر جمع فيك الشؤم واللوم .. متى تُعشش في أركانك البُومُ!!يوماً يعشش فيك البوم من فرحي .. أكون أول من ينعاك مرغوم!!ثم إن الخادم قال له : أجب أمير المؤمنين. فقال الرجل : سألتك بالله لا تذهب بي إليه. فقال الخادم : لا بد من ذلك. ثم ذهب به. فلمّا مثل بين يدي أمير المؤمنين وأعلم بما كتب. قال له المأمون : ويلك ما حملك على هذا ؟!! . فقال : يا أمير المؤمنين إنه لا يخفى عليك ما حواه قصرك هذا من خزائن الأموال والحُلي والحلل والطعام والشراب والفرش والأواني والأمتعة والجواري والخدم وغير ذلك مما يقصر عنه وصفي. ويعجز عنه فهمي. وإني قد مررت عليه الآن وأنا في غايةٍ من الجوعِ والفاقة. فوقفت مفكراً في أمري وقلت في نفسي : هذا القصر عامر عالٍ. وأنا جائعٌ ولا فائدة لي فيه. فلو كان خراباً ومررت به لم أعدم رخامه أو خشبةً أو مسماراً أبيعه وأتقوت بثمنه. أو ما علم أمير المؤمنين رعاه الله قول الشاعر :

إذا لم يكن للمرء في دولة امرئٍ .. نصيب ولا حظٌ تمنى زوالها
وما ذاك من بُغضٍ له غير أنه .. يُرجي سِواها فهو يهوى انتقالها
فقال المأمون : يا غلام أعطه ألف درهم. ثم قال : هي لك في كل سنةٍ ما دام قصرنا عامر بأهله مسروراً بدولته وأنشدوا في معنى ذلك :
إذا كنت في أمرٍ فكن فيه مُحسناَ ... فعمّا قليل أنت ماضٍ وتاركه!!


تابعوني على الفيسبوك : ياقوت الفرزدقي

حُرِرَت من قِبل في الاثنين، 01 حزيران 2015

لا يوجد تعليقات، كُن أول من يكتب تعليقاً..
الرجاء تسجيل الدخول للتعليق