بين الخير والشر

اعلم أنّ المصلحةَ في أمرِ ابتداءِ الدنيا إلى انقضاءِ مُدّتِها امتزاجُ الخيرِ بالشرّ ، والضارُّ بالنافع ، والمكروهُ بالسارّ ، والضَّعَةُ بالرِّفعَة ، والكثرةُ بالقِلّة. ولو كان الشرُّ صِرفا هلكَ الخلق ، أو كان الخيرُ مَحضا سقطت المِحنَة وتقطّعتْ أسبابُ الفِكرة ، ومع عدمِ الفكرة يكونُ عدمُ الحكمة ، ومتى ذهبَ التَخيِير ذهبَ التمييز ، ولم يكن للعالمِ تثبُّت وتوقُّف وتعلُّم ، ولم يكن عِلم ، ولا يعرِفُ باب التبيُّن ، ولا دفعَ مضرّةٍ ، ولا اجتِلابَ منفعةٍ ، ولا صبرٌ على مكروه ولا شكرٌ على محبوب ، ولا تفاضُلٍ في بيان ، ولا تنافُسٍ في درجة ، وبطُلتْ فرحةُ الظّفر وعِزُّ الغلبَة ، ولم يكن على ظهرها مُحقٌّ يجدُ عِزَّ الحق ، ومُبطلٍ يجدُ ذِلّةَ الباطل ، ومُوقِنٌ يجدُ بَردَ اليقين ، وشاكٍّ يجدُ نقصَ الحيرةِ وكربَ الوجوم ؛ ولم تكن للنفوسِ آمالٌ ولم تتشعّبُها الأطماع. ومن لم يعرف كيف الطّمع لم يعرف اليأس ، ومن جَهِلَ اليأس جهِلَ الأمن ، وعادت الحال من الملائكةِ الذين هم صفوةَ الخلق ، ومن الإنسِ الذين فيهم الأنبياءُ والأولياء ، إلى حالِ السبعِ والبهيمة ، وإلى حالِ الغباوةِ والبلادَة ، وإلى حالِ النُجومِ في السّخرَة ؛ فإنها أنقصُ من حال البهائم في الرّتعَة. ومن هذا الذي يسُرُّه أن يكونَ الشمسَ والقمر والنّارِ والثلج ، أو بُرجًا من البروج أو قِطعةٍ مِنَ الغيم ؛ أو يكونَ المجرّةَ بأسرها ، أو مِكيالاً من الماء أو مِقدارًا من الهواء ؟!! وكُلُّ شيءٍ في العالمِ فإنما هو للإنسان ولكُلِّ مُختَبرٍ ومُختار ، ولأهلِ العُقولِ والاستِطَاعة ، ولأهلِ التبيُّنِ والرويّة.


تابعوني على فيسبوك : ياقوت هداه الله

حُرِرَت من قِبل في الجمعة، 03 تموز 2015

لا يوجد تعليقات، كُن أول من يكتب تعليقاً..
الرجاء تسجيل الدخول للتعليق