سعرُ الزَّيت

حدّث أبو عبد الله بن أبي عوف التاجر، قال:‏ ‏ ضاق صدري في وقت من الأوقات ضيقًا شديدًا لا أعرف سببه، فتقدّمتُ إلى من حمل لي طعامًا كثيرًا وفاكهة وعدة من جواريّ إلى بستان لي على نهر عيسى، وأمرت غلماني وأصحابي أن لا يجيئني أحد منهم بخبر يشغل قلبي ولو ذهب مالي كله، ولا يكاتبني. وعملت على أن أقيم في البستان بقية أسبوعي أتفرّج مع أولئك الجواري. ‏ ‏ لما قربت من البستان، استقبلني ساعٍ معه رسائل. فقلت له:‏ ‏ من أين وردت؟‏ ‏ فقال: من الرقـّة.‏ ‏ أردت أن أقف على كتبه وأخبار الرقة وأسعارها. فقلت: ‏ ‏ أنت قريب من بستان لي، فتعال معي حتى تستريح الليلة في البستان، وأغيّر حالك، وأطعمك، وتدخل بغداد غدًا. ‏ ‏ فقال: نعم. ‏ ‏ ومشى معي راجعًا حتى دخلنا البستان، فأمرتُ من فيه أن يُدخله حمّامًا، ويغيّر ثيابه ببعض ثياب غلماني ويطعمه. فابتدأوا معه في ذلك. وتقدَّمتُ إلى غلام لي فسرق كتبه، وجاءني بها ففتحتها، وقرأت جميع ما فيها، وعرفت من أسرار التجار الذين يعاملونني شيئًا كثيرًا، وتفرّجت بذلك. ووجدت جميع الكتب تنصح التجار بأن يتمسّكوا بما في أيديهم من الزيت، ولا يبيعوا منه شيئًا، فإنه قد غلا عندهم وعَزّ.‏ ‏ فأنفَذْت إلى وكلائي في الحال فاستدعيتهم، وقلت لهم:‏ ‏ خذوا من فلان الصيرفي وفلان الصيرفيّ كل ما عندهم من الدنانير والدراهم الساعة، ولا ينقضي اليوم إلا وتبتاعون كل ما تقدرون عليه من الزيت، واكتبوا إليّ عند انقضاء النهار بالصورة. ‏ ‏ فمضوا. فلما كان العشاء جاءني خبرهم بأنهم قد ابتاعوا زيتًا بثلاثة آلاف دينار. فكتبت إليهم بقبض ألوف دنانير أُخر، وبشراء كل ما يقدرون عليه من الزيت. ‏ ‏ وأصبحنا، فدفعت إلى الساعي ثلاثة دنانير، وقلت له: ‏ ‏ إن أقمتَ عندي دفعت إليك ثلاثة دنانير أخرى. ‏ ‏ فقال: أَفعل. ‏ ‏ وجاءتني رقعة أصحابي بأنهم ابتاعوا زيتًا بأربعة آلاف دينار، وأن سعره قد غلا لطلبهم إياه. فكتبت بأن يبتاعوا كل ما يقدرون عليه وإن كان السعر قد زاد. ‏ ‏ وشاغلتُ الرسول اليوم الثالث، ودفعتُ إليه في اليومين ستة دنانير، وأقام ثلاثة أيام، وابتاع أصحابي بثلاثة آلاف دينار أخرى. وجاءوني عشيّا فقالوا: ‏ ‏ كان ما ابتعناه اليوم زائدًا على ما قبله في السـِّعر، في كل عشرة نصف درهم، ولم يبق في السوق شيء يفكـِّر فيه. ‏ ‏ فصرفت الرسول. وأقمت في بستاني أيامًا، ثم عدت إلى داري، وقد قرأ التجار الكتب، وعرفوا خبر الزيت بالرقة، فجاءوني يهرعون ويبذلون في الزيت زيادة اثنين في العشرة، فلم أبع، فبذلوا زيادة ثلاثة في العشرة، فلم أبع. ومضى على ذلك نحو من شهر، فجاءوني يطلبون زيادة خمسة وستة، فلم أفعل. فجاءوا بعد أيام يعرضون شراء الزيت بعشرين ألف دينار، فبعته. ‏ ‏ ونظرت، فلم يكن لضيق صدري وانفرادي في البستان ذلك اليوم سبب إلا ما أحبّه الله تعالى، أن يوصل إليّ ربح عشرة آلاف دينار! ‏

حُرِرَت من قِبل في الأحد، 17 تشرين الأول 2010

لا يوجد تعليقات، كُن أول من يكتب تعليقاً..
الرجاء تسجيل الدخول للتعليق