شريك القاضي وعم أمير المؤمنين

أتت امرأةٌ يومًا شَرِيكَ بن عبدالله قاضي الكوفة ، وهو في مجلس الحكم ، فقالت : أنا باللهِ ثم بالقاضي!! قال : مَن ظلمك ؟!! قالت : الأمير موسى بن عيسى عمُّ أمير المؤمنين ، كان لي بُستان على شاطئ الفرات ، فيه نخلٌ ورِثتـُه عن أبي ، وقاسمتُ إخوتي ، وبنيت بيني وبينهم حائطًا ، وجعلتُ فيه رجلاً فارسيًا يحفظُ النّخل ويقوم به ، فاشترى الأمير موسى بن عيسى من جميع إخوتي ، وساومني ورغّبني ، فلم أبِعه ، فلمّا كانت هذه الليلة بعث بخمسمائة غلام ، فاقتلعوا الحائط ، فأصحبتُ لا أعرف من نخلي شيئا ، واختلط بنخلِ إخوتي . فقال : يا غلام!! أحضر طِينةً ، فأحضرها فختمها ، وقال : امضِ بها إلى بابه حتى يحضر معك ، فأخذها الحاجب ، ودخل على موسى ، فقال : قد أعدى القاضي عليك ، وهذا ختمه ، فقال : ادعُ لي صاحب الشرطة فدعا به ، فقال : امضِ إلى شريك ، وقل : يا سبحان الله!! ما رأيتُ أعجبَ من أمرك!! امرأة ادّعت دعوى لم تصح أعديتها عليَّ!! قال صاحبُ الشرطة : إن رأى الأميرُ أن يُعفيني من ذالك!! فقال : امضِ ، ويلك!! فخرج ، وقال لغلمانه : اذهبوا واحملوا لي إلى حبس القاضي بساطًا وفراشًا ، وما تدعو الحاجة إليه ، ثم مضى إلى شريك ، فلما وقف بين يديه أدّى إليه ما قاله موسى ، فقال لغلام المجلس ، خذ بيده فضعه في الحبس . فقال صاحب الشرطة : والله قد علمتُ أنك تحبسني ، فقدمتُ ما أحتاج إليه في الحبس . وبلغ موسى بن عيسى الخبر ، فوجّه الحاجب إليه ، وقال له : رسولٌ أدّى رسالة أيُّ شيء عليه!! فقال شريك : اذهبوا به إلى رفيقه في الحبس ، فحُبس الحاجب . فلما صلّى الأمير العصر بعث إلى إسحاق بن الصباح الأشعثي وإلى جماعة من وجوه الكوفة من أصدقاء شريك ، وقال لهم : أبلغوه السلام ، وأعلموه أنه استخفّ بي . وأني لستُ كالعامّة ، فمضوا إليه وهو جالس في مسجده بعد صلاة العصر ، فأبلغوه الرسالة ، فلما انقضى كلامهم ، قال لهم : ما لي أراكم جئتموني في جمع من الناس ، فكلمتموني ؟!! من ها هنا من فتيان الحي ؟!! فأجابه جماعة من الفتيان فقال : ليأخد كل واحد منكم بيد رجل فيذهب به إلى الحبس ، ما أنتم إلا فِتنةٌ وجزاؤكم الحبس . قالوا له : اجادٌ أنت ؟!! قال : نعم ، حتى لا تعودوا لرسالةِ ظالم . فحبسهم . فركب موسى بن عيسى في الليلة إلى باب السجن ، وفتح الباب ، وأخرجهم كلهم ، فلمّا كان من الغد ، وجلس شريك للقضاء جاءه السجّان ، فأخبره ، فدعا بالقِمطر فختمه ، ووجّه به إلى منزله ، وقال لغلامه : الْحَقْ بثَقَلي إلى بغداد ، والله ما طلبنا هذا الأمر منهم ، ولاكن أكرهونا عليه ، ولقد ضمنوا لنا فيه الإعتزَازَ إّ تقلدناه لهم ، ومضى نحو قنطرة الكوفة إلى بغداد ، وبلغ الخبرُ إلى موسى بن عيسى ، فركب في موكبه ، فلحقه ، وجعل يناشده الله ، ويقول : يا أبا عبدالله ، تثبّت ، انظر إخواني ، أتحبسهم!! قال : نعم ، لأنهم مشوا لك في أمرٍ لم يَجُزْ لهم المشي فيه ، ولستُ ببارح أو يُردّوا جميعًا ، وإلا مضيتُ إلى أمير المؤمنين المهدي ، فاستعفيتـُـه مما قلدَني . فأمر موسى بردّهم جميعًا إلى الحبس ، وهو واقفٌ مكانه حتى جاء السجّان ، فقال : قد رجعوا جميعًا إلى الحبس ، فقال لأعوانه : خذوا بلِجَام دابته بين يدي إلى مجلس الحكم ، فمرّوا به بين يديه حتى أُدخِلَ المسجد وجلس في مَجلس القضاء ، فجاءت المرأة المتظلمة ، فقال : هذا خصمُكِ قد حضر ، فقال موسى وهو مع المرأة بين يديه : قبل كلّ أمرٍ أنا قد حضرت ، أولئك يخرجون من الحبس ، فقال شريك : أما الآن فنعم!! أخرجوهم من الحبس ، فقال : ما تقول فيما تدّعيه هذه المرأة ؟!! قال : صدقت ، قال : تردُّ ما أخذتَ منها ، وتبني حائطها سريعًا كما كان . قال : أفعل ذالك ، قال لها : أبَقِيَ لكِ عليه دعوى ؟!! قالت : لا ، وبارك الله فيك وجزاك خيرًا . قال : قومي ، فقامت مجلسه . فلما فرغ قام وأخد بيد موسى بن عيسى وأجلسه في مجلسه ، وقال : السلام عليك أيها الأمير ، أتأمرُ بشيء ؟!! فقال : بأيّ شيء آمر ؟!! وضحك ، فقال له شريك : أيها الأمير ، ذاك الفعل حقُّ الشرع ، وهذا القول الآن حقُّ الأدب ، فقام الأمير متعجبا وانصرف إلى مجلسه .


لا تنسوا عبدالله " ياقوت " من صالح الدعاء .
تابعوني على فيسبوك : ياقوت الفرزدقي

حُرِرَت من قِبل في الجمعة، 05 حزيران 2015

لا يوجد تعليقات، كُن أول من يكتب تعليقاً..
الرجاء تسجيل الدخول للتعليق