في عُلوِّ الهّمة

أَن تُفكِّر و تُحلل و أن تَكونَ عمليا في الوصول إلى النتائج و بخطوات صغيرة وبسيطة و أن تتذلل في سبيل تحقيق تلك الخطوات الصغيرة و أن لا تدخر أي وقت أو جهد و أن تبذل الغالي و النفيس وأن تحب ما تعمل وأن يكون ما تعمله له أثر عظيم و قيمة كبرى.
هذه ببساطة وبدون أي تنظير معادلة النجاح في هذه الحياة!!
قصة رائعة ... لكل من أراد أن يصل إلى مبتغاه ...


يقول تاكيو أوساهيرا مهندس أوّل محرّك ياباني:
إبتعثتني الحكومة اليابانية للدراسة في جامعة هامبورغ بألمانيا لأدرس أصول الميكانيكا العلمية وذهبت إلى هناك وأنا أحمل حلمي الخاص الذي لاينفكّ عني أبداً، والذي خالج روحي وعقلي وسمعي وبصري وحسي، فقد كنت أحلم بأن أتعلم كيف أصنع محركاً صغيراً وكنت أعرف أن لكل صناعة وحدة أساسية أو ما يسمى موديلاً، هو أساس الصناعة كلها، فإذا عرفت كيف تصنعه، وضعت يدك على سرّ هذه الصناعة كلها وبدلاً من أن يأخذني الأساتذة إلى معمل، أو مركز تدريب عملي، أخذوا يعطونني كتباً لأقرأها، وقرأت حتى عرفت نظريات الميكانيكا كلها ولكنني ظللت أمام المحرك، أياً كانت قوته، وكأنني أقف أمام لغز لا يُحل، وكأني طفل أمام لعبة جميلة لكنها شديدة التعقيد ولا يجرؤ على العبث بها، وكم تمنيت أن أداعب المحرك بيدي، وكم كنت أشتاق إلى لمسه وتعرّف مفرداته وأجزائه، وكم تمنيت لمّه وضمّه وشمّه وكم تمنيت أن أعطر يدي بزيته وأصبغ ثيابي بمخاليطه، وكم تمنيت وصاله ومحاورته والتقرب إليه، لكنها ظلت أمنيات.. أمنيات حية تلازمني وتراودني أياماً وأياما.

وفي ذات يوم قرأت عن معرض محركات إيطالية الصنع، كان ذلك أول الشهر، وكان معي راتب منحتي، ووجدت في المعرض محركاً بقوة حصانين ثمنه يعادل مرتبي كله فأخرجت الراتب ودفعته وحملت المحرك وكان ثقيلاً جداً، وذهبت إلى حجرتي ووضعته على المنضدة وجعلت أنظر إليه كأنني أنظر إلى تاج من الجواهر وقلت لنفسي: هذا هو سر قوة أوروبا، فلو استطعت أن أصنع محركاً كهذا لغيّرت اتجاه تاريخ اليابان وطاف بذهني خاطر.. إن هذا المحرك يتألف من قطع ذات أشكال وطبائع شتى، مغناطيس كحدوة حصان، وأسلاك، وأذرع دافعة، وعجلات وتروس وما إلى ذلك فلو أنني استطعت أن أفكك قطع هذا المحرك وأعيد تركيبها بالطريقة نفسها التي ركبوها بها ثم شغلته فاشتغل فأكون قد خطوت خطوة نحو سر موديل الصناعة الأوروبية وبحثت في رفوف الكتب التي عندي، حتى عثرت على الرسوم الخاصة بالمحركات، وأخذت ورقاً كثيراً، وأتيت بصندوق أدوات العمل، ومضيت أعمل: رسمت منظر المحرك بعد أن رفعت الغطاء الذي يحمي أجزاءه، ثم جعلت أفككه قطعة قطعة، وكلما فككت قطعة رسمتها على الورق بغاية الدقة وأعطيتها رقماً وشيئا فشيئا فككته كله، ثم أعدت تركيبه من جديد، وفي هذه اللحظة وقفت صامتاً قليلاً .. إنه وقوف وصمت المتشكك فهل سأنجح في تشغيله ؟ وبسرعة قطعت شكي وأدرت المحرك فاشتغل وما أن غرد صوت المحرك حتى كاد قلبي أن يقف من الفرح وقد إستغرقت العملية ثلاثة أيام، كنت آكل في اليوم وجبة واحدة، ولا أصيب من النوم إلا ما يمكنني من مواصلة العمل وحملت النبأ إلى رئيس بعثتنا فقال: حسناً ما فعلت، والآن لا بد أن أختبرك وسآتيك بمحرك متعطل وعليك أن تفككه، وتكشف موضع الخطأ وتصححه وتجعل هذا المحرك العاطل يعمل، وكلفتني هذه العملية عشرة أيام من العمل الشاق بعدها أخذت يدي تقترب لإدارة المحرك، وكم كنت أحمل من القلق والهم في تلك اللحظات العصيبة، فهل سيعمل هذا المحرك ؟ وهل سأنجح بعدما أدخلت فيه بعض القطع التي صنعتها ؟!
وكم كانت سعادتي واعتزازي بعد ما سمعت صوت المحرك وهو يعمل .. لقد أصلحته .. لقد نجحت بعد ذلك قال رئيس البعثة: عليك الآن أن تصنع القطع بنفسك، ثم تركبها محركاً
ولكي أستطيع أن أفعل ذلك، التحقت بمصانع صهر الحديد، وصهر النحاس، والألمنيوم، وذلك بدلاً من أن أعد رسالة دكتوراه كما أراد مني أساتذتي الألمان وتحولت إلى عامل ألبس بدلة زرقاء، وأقف صاغراً إلى جانب عامل صهر المعادن، وكنت أطيع أوامره وكأنه سيد عظيم، حتى كنت أخدمه وقت الأكل مع أنني من أسرة ساموراي، والأسرة السامورائية هي من أشرف وأعرق الأسر في اليابان ولكنني كنت أخدم اليابان، وفي سبيل اليابان يهون كل شيء
وقضيت في هذه الدراسات والتدريبات ثماني سنوات، كنت أعمل خلالها ما بين عشر وخمس عشرة ساعة في اليوم وبعد انتهاء يوم العمل كنت آخذ نوبة حراسة، وخلال الليل كنت أراجع قواعد كل صناعة على الطبيعة وعلم الميكادو (إمبراطور اليابان) بأمري، فأرسل لي من ماله الخاص خمسة آلاف جنيه إنجليزي ذهباً، اشتريت بها أدوات مصنع محركات كاملة، وأدوات وآلات وعندما أردت شحنها إلى اليابان، كانت النقود قد فرغت فوضعت راتبي وكل ما ادخرت، وعندما وصلنا إلى اليابان قيل لي: إن ((الميكادو)) يريد أن يراني، فقلت لهم: لن أستحق مقابلته إلا بعد أن أنشئ مصنع كاملاً للمحركات، واستغرق ذلك منّي تسع سنوات وفي يوم من الأيام حملت مع مساعدي إلى القصر عشرة محركات صنعت في اليابان ووضعناها في قاعة خاصة بنوها قريباً منه، وأدرناها ودخل الميكادو و ابتسم وقال: هذه أعذب معزوفة سمعتها في حياتي، صوت المحركات اليابانية الخالصة، وهكذا ملكنا الموديول، وهو سر قوة الغرب نقلناه إلى اليابان، نقلنا قوة أوروبا إلى اليابان، ونقلنا اليابان إلى الغرب وبعد ذلك الحدث السعيد ذهبت إلى البيت فنمت 10 ساعات كاملة لأول مرة في حياتي منذ خمس عشرة سنة ونجح تاكيو أوساهيرا فقط عندما كافح ولم يستسلم للمشاكل والعقبات، وحول الفكرة التي حلقت في خياله من مجرد فكرة إلى هدف يخطو إليه يوماً بعد يوم بفضل عزيمته وإصراره وحبه لبلده، ومنذُ ذلك اليوم قرر كل عامل ياباني أن يعمل 9 ساعات يومياً بدلاً من 8 ساعات فيعمل 8 ساعات لنفسه وأولاده، وساعة من أجل اليابان.
حُرِرَت من قِبل في الأحد، 19 أيار 2013

لا يوجد تعليقات، كُن أول من يكتب تعليقاً..
الرجاء تسجيل الدخول للتعليق