يَالَكَ مِنْ قَمَر ..!!

إلَيكَ يا قَمرُ رَسائِلي الوَرْقاءُ بنُصُوعِ روْنَقِ ضُحَى الأَمَلِ في

جَبينِ العُيُونِ الرَّؤُوم، وقُتُومِ الوَجَلِ الكَالِحِ حَولَ هَالَةِ
بَدرِكَ المُضِيئِ بينَ سِتارِ الغُيُوم.
رَسائِلُ حِبرُهَا دَمْعِي،
ورُوحُهَا أَنْباضُ دَمِي، وقَلَمُها نِياطُ قَلْبِي في صَفحَةِ رِحابِكَ
السَماوِيِّ؛ فَتُذِيبَ السُّهُوم.
۞أَيُّهَا الْقَمَرُ!
إِنَّ نَبْضَكَ الْمُتَوَهِّجَ فِي رُوحِكَ يَجْعَلُ قَلُوبًا نَابِضَةً لَهِفَةً؛ لِتُكَحِّلَ الْعُيُونَ بِالسَّهَرِ.



۞واهًا يا قَمَرُ؛ أَتَرَى لِنُورِكَ فِي عَيْنِي نَصِيبًا، أَتُرَانِي
أَسْتَحِقُّ أَنْ أَتَأَمَّلَكَ؛ فإِنَّ لَكَ فِي خَيَالَاتِ
الْكَاتِبِيْنَ يَنَابِيعٌ مِّنْ نُورِ الْبَيَانِ، فَلَا حَاجَةَ لَكَ
لِسَقْطِ زَنْدِ كَلاَمِيِ، إلَّا أَنَّ الْكَلِمَةَ رُبَّما أُرِسِلُهَا
بِدِمَايَ مُتَدَفِّقَةً؛ فَهِيَ مِدَادُ قَلَمِي لَكَ، وَعَبْرَتِي هِيَ
الثَّكْلَى الَّتِي تُوَاسِي صَرِيرَ قَلَمِي الْخَافِتِ الْكَاتِبِ لَكَ،
أَتَرَى بَعْدَ ذَلِكَ قِيَمَةً لِكَلِمِيِ؟!.
۞وَاهًا يَا قَمَرُ؛
فَإِنَّ لَكَ سَمْتًا يَمْلَؤُ الْعَيْنَ فَرَحًا، وَإِنَّ لَكَ بَسْمَةً
تَمْلَؤُ الأُفُقَ مَرَحًا، رَغْمَ أَنَّ مَا حَوْلَكَ ظَلَامٌ دَامِسٌ،
إلَّا أَنَّكَ تَعِيشُ مُضِيئًا لِنَفْسِكَ، وَتُنِيرُ بِنَوَرِكَ ظَلَامَ
الْيَأْسِ الَّذِي يَنْهَشُ فِي قُلُوبِ الْبَائِسِين، وَتَحْنُو عَانَقًا
نَاسِيًا غَدْرَ الْغَادِرِين، وَتُبْرِزُ جُرْحَ قَلْبِكَ مُوَاسِيًا
قَلْبَ الْمَجْرُوحِين.
رَاسِمًا لِأَعْيُنِ النَّاظِرِيْنَ جَمَالًا
فِي لَيْلِهِمُ الْمَخُوف، وَتَبْعَثُ لِلشُّعَرَاءِ إِلْهَامًا فِي نَظْمِ
أَشْعَارِهِمْ وَإِنْ أَصَابُوا الْحُتُوف.
۞يالَا عِفَّةَ طُهْرِ
جَمَالِكَ؛ فإنكَ تَرْسُمُ لِلْأُدَبَاءِ جَمَالًا أَعَفَّ مِنْ
أَدَبِهِمْ، وَلِلْحُكَمَاءِ رَصَانَةً أَرْسَخَ مِنْ أَحْبَارِهِمْ.

۞إنَّ الآذانَ يا قَمرُ لتَترَنَّمُ من بَليغِ صَريرِ القَلمِ عِندَ
سَماعِهَا لَه فِي وَصفِهِ لَك، فَإن لَاقاَك القلَمُ وتَكحَّلَتْ عَينُه
برُؤيتِك، انعقَدَ لِسانُه وعَيَّ بيانُه كانغِماسِ النَّهارِ في الحَلَك.
۞غَيرَ أنَّ البَراعَةَ والفَصاحَةَ لَيسَتْ من نَبعِ مُفْصِحِها، وإِنَّما بَزغَ ضَوؤُها في وَصفِ بَسمَتِك.
والعِيَّ والفَهاهَةَ انكَشَفَ أَمرُها، -علَى ما يُحمَلُ في أَطمَارِ القَلبِ من لَواعِجِ النَّفسِ-؛ لِفَصيحِ طَلعَتِك.
وكُلَّما بَدَى وجْهُكَ يا قَمرُ، صَارَ قمرًا أَروَعَ من بَارحِ القَمرِ، كَأنَّما اقتَبسَ من صُورَتِك.
۞وَلَا غَرْوَ؛ فإنَّ طولَ الملازَمةِ والصِّلةِ تُخمِدُ حُسنَ السَّمتِ واللَّهفَةَ؛ إِذِ المَبذُولُ مَمْلُولٌ مَمْرُور.
أَمَّا أنتَ يا قَمرُ: فَإنَّ طلعَتكَ تُبهِجُ كُلَّما زادتِ الصِّلَةُ؛ لِأَنَّ سِرَّ جَماِلكَ يَظْهَرُ علَى مَرِّ الدُّهُور.
لِأَنكَ -يا قَمَرُ- أَصْفَى من وَجهِ سَمَاوَةٍ، وأَرقُّ من طَيفِ غَمَامَةٍ، وأَظَلُّ من فَيْئِ سَحابَةٍ، في كُلِّ العُصُور.



۞يَا قَمَرَ الطِّفْلِ: مَا زِلْتَ مَطْبُوعًا عَلَى صَفْحَةِ الْقَلْبِ
مُنْذُ الطُّفُولَةِ، فَأَرَاكَ وَلَا أَرَاكَ، حَتَّى يَرَاكَ قَلْبِي؛
فَأُوقِنَ لِقَلْبِي مِلَاكَا.
وَلَا يُجْدِي إِطْرَاقُ طَرْفِ عَيْنِي
إِلَيْكَ؛ حَتَّى أَرَى إِطْرَاقَ قَلْبِي هَائِمًا بِكَ، فَبِكُلِّي
أُحِبُّكَ وَإِنْ لَمْ يُبْقِ بِبَعْضِ كُلِّي حَرَاكَا.
۞يَقُولُونَ:
إِنَّ قَلْبَكَ أَرَقُّ مِنْ طَيْفِ الْغَمَامِ فِي قَلْبِ الطِّفْلِ،
وَفِي الْحَقِيقَةِ: إِنَّكَ الْقَلْبُ الْمُضِيئُ الَّذِي فِي صَدْرِ
الطِّفْلِ.
جَرَى حُبُّكَ يَا قَمَرُ مَجْرَى دَمِي فِي فُؤَادِي، وَذَابَ فُؤَادِي فِيكَ ذَوَبَانَ الْمَاءِ فِي طِينِ الطَّفْلِ.



۞مَا مَدَحْتُكَ يَا قَمَرُ إِلَّا وَقَدْ امْتُدِحَ صَرِيرُ قَلَمِي
لِمَدْحِك، وَمَا سَامَحَتِ الْقُلُوبُ الصَّافِيَةُ إِلَّا لِرُؤْيَتِهَا
غُيُومَ السَّمَاءِ تَتَلَأْلَأُ لِصَفْحِك.
۞وَيَا قَمَرُ كَثِيرًا
مَا يَمْنَعُنِي قَلَمِي عَنْ وَصْفِكَ؛ غَيْرَةً عَلَيْكَ مِنْ نَظَرِ
النَّاظِرِين، وَتَحْسُدُنِي عَيْنِي بِنَظَرِي إِلَيْكَ، فَتَغُضَّ؛
خَوْفًا مِنْ حَسَدٍ كَمِين.
وَلَوِ اسْتَطَعْتُ لَحَجَبْتُكَ عَنْكَ؛
غَيْرَةً مِنْكَ فِي نَظَرِكَ إِلَيْكَ كَالْهَائِمِين، وَتَتَمَاطَرُ
صِفَاتُكَ وَشَمَائِلُكَ، حَتَّى أَغَارَ مِنْكَ عَلَيْكَ فِي كُلِّ وَقْتٍ
وَكُلِّ حِين.
۞وَأَنْتَ .. كُلُّ شَيْئٍ أَنْتَ يَا قَمَرُ، فِي الْبَقَاءِ وَفِي السَّفَر
وَلِي قَلْبٌ يَا قَمَرُ، فِي دَمِهِ هَلَاتُ نُورِكَ فِي السَّحَر
۞أَقَطَرَاتُ دَمْعٍ تِلْكَ يَا قَمَرُ، أَمْ قَسَمَاتُ وَاجِمٍ حَزِين
أَمْ لَآلِئٌ مِنْ سِمْطِ إِشْرَاقِكَ، أَمْ صَيْحَاتُ مَوْجٍ دَفِين
هَمْسُكَ يَا قَمَرُ كَدَوِيِّ إِعْصَارٍ يُبَعْثِرُ الطَّيْشَ كُلَّ حِين
وَيَبْعَثُ نَسَمَاتِ الصَّفَاءِ؛ لِتُضْمِدَ جِرَاحَ قَلْبٍ حَنِين
أَبَاقٍ مَعِيَ يَا قَمَرُ، أَمْ تَنْظِمُ بِمَوْجِكَ أَطْلَالَ ظَعِين
ظَعِينٌ أَنْتَ يَا قَمَرُ فِي شَغَر ...
أَمْ بَاقٍ فِي قَلْبٍ إِذَا دَقَّ كَشَرَر...
ظَهَرَتْ صُورَتُكَ عَلَى صَفْحَةِ قَلْبٍ شَجِين
۞كـــَمْ مِـــنَ النَّــاسِ مَنْ يُشْبِـــهُ الْقَمَـــرَ يَا قَمَر
أَنْتَ ... وَلَيْسَ غَيْرُكَ أَنْتَ ... مَنْ يُشْبِهُ الْقَمَر
۞أَرَاكَ قَلْبِي يَا قَمَر
تَجْرِي بِنَبْضِهِ الدِّمَاءُ فِي عُرُوقِ الْحَيَاة
أَرَاكَ قَلْبِي يَا قَمَر
وَتَذُوبُ فِي ثَبَجِ بِحَارِكَ قُلُوبُ الْقُسَاة
أَرَاكَ قَلْبِي يَا قَمَر
وَتَظْهَرُ فِي قَلْبِ السَّمَاءِ قَلْبًا أَجْمَلَ مِنْ فَتَاة
۞أَرَاكَ قَلْبِي يَا قَمَر
لَا يُفَارِقُ بَدَنِي كَمَا لَمْ تُفَارِقْ ضِيَاءَك
أَرَاكَ قَلْبِي يَا قَمَر
أَرَقَّ مِنْ دَمْعِ الْغَمَامِ فَيُعَانِقَ لَأْلَاءَك
أَرَاكَ قَلْبِي يَا قَمَر
لَا يَقْدِرُ قَلْبِي عَنْ مُفَارَقَتِهِ وَلَوْ فَارَقْتَ سَمَاءَك
۞غِبْ يَا قَمَر؛ فَلَا يَأْسَ مَا دَامَ قَلْبِي قَدْ وَسِعَك، فَغِبْ عَنْهُ فَهُوَ لَا يَنْسَى لَحْظَك
يَظُنُّ النَّاسُ أَنَّكَ قَمَرُهُمْ وَقَدْ ظَنَنْتُ أَنِّي وَحْدِي مَنْ أَرَاكَ وَحْدَك
غِبْ يَا قَمَر
وَالشَّوْقُ يَجْتَاحُ الْمَفَاوِزَ يُلْهِبُ كَالشَّرَر
وَالدَّمُ فِي بِلَادِي يَنْزِفُ كَشَرَهِ الْبَطَر
غِبْ يَا قَمَر
إِنِّي لأَسْمَعُ حِسَّكَ الصَّافِي كَسَنَى الْبَرْقِ وَوَقْعِ الْمَطَر
فَيُذِيبُ قَلْبًا قَدْ عَكَّرَ صَفْوَهُ غَدْرٌ بِلَا رِيٍّ كَالْغُمَر
غِبْ يَا قَمَر
أَبْقِ أَمَامَكَ الْغَيْمَ لَا تَنْشُرْ ضِيَاءَكَ يَا قَمَر
حَتَّى تَعُودَ أُمَّةٌ كَانُوا مُلُوكًا لِعُبَّادِ الْبَشَر
تَتَلُو بِعَيْنَي عِقْبَانِهَا طَرَائِدَهَا بِلَا أَشَر
غِبْ يَا قَمَر



۞ فلَأَنْ تُكَحَّلَ الْعَينُ لَيْلَةً وَاحِدَةً بِرُؤْيَةِ الْقَمَرِ،
أَحْلَى من تَكَحُّلِهَا بِنَعِيمِ الدُّنْيَا بِأَجْمَعِهَا دُونَ رُؤيَةِ
الْقَمَرِ.
۞فلا تَغِبْ –عني دونهم- يا قمرُ؛ فَما ذَبُلتْ سُوَيداءُ وردَةِ قَلبِي، ومَا التَفتَتْ أبدًا إلَّا لَك.



۞تاللهِ ما قَصدتُّ أن أَكتُبَ شَيئًا عَنكَ ولا تَكلَّفتُ تَحبِيرَهُ في
فَرحٍ أو أَتْراح، بلْ يَمنَعُنِي خَجَلي ومَا يَدفَعُني إلَّا قَلبِي
فَيُدرُّ المعَانِي؛ لِيَكتُبَها قَلَمِي رَغمًا عَنهُ في لَحظَتِها
كارتِدادِ طَرْفِ نَسِيمِ الرِّياح.
فأَنا بينَ أَلمِ جرحِ صَليلِ
خَجَلِ كِتابَتِها وَراءَ القَلبِ بأَمرِهِ؛ لِيرْتاح، وبَينَ أَلمٍ
مُوجِعٍ في القَلبِ إن أَبيتُ أن أَكتُبَ لهُ ما يُريدُ؛ لِتُضَمَّدَ لهُ
الجِراح.
۞لَمَّا ظَهرْتَ في حَياتِي يا قَمرُ وأُذُنِي بأَسارِيرِكَ
استَمَعتْ، صَارَتِ النُّجومُ غَيرَ قادِرَةٍ علَى أَخذِ مَكانِكَ في
قَلبِي ولَوِ اجتَمَعتْ.
۞أَلَمِي يا قمرُ في وَفائِي بَعدَ فَقدِكَ –حتَّى يَعرِفَ الناسُ مَعنَى الحبِّ ويَتمَتَّعُوا بهِ- لَذِيذٌ



۞أُمنِيَّتي في الحَياةِ كَما عِشْنا سَوِيًّا، أن يَكُونَ يَومُ
نِهايَتِي يَومَ أُفُولِك، فلا أَجزَعُ بَعدَكَ على فَقدِكَ، ولا أَذهَبُ
فأَخافُ أن تَجزعَ عليَّ من بَعدِي فَواوَهَجَ مُرورِك.
۞مَساكِينُ هَؤلاءِ المُحِبُّون، لو عَلِمُوا حُبِّي لكَ، لعَرَفُوا أَنَّهُم في الهوَى يَمرَحُون.



۞مَن يُخبِرُهُ أنِّي ما كَتبتُ عنهُ مرّةً، إلا ويُخالِطُ دَمعِي حِبرَ
قَلمِي، فيَغلِبُهُ وتَبهَتُ حُروفُهُ، والكاغَدُ يَشهدُ بَينَنا.
۞أحبَبْتُهُ حتَّى ظَنَنتُ أن مَعنَى الحُبِّ اسمُه.
ولا يسمعُ قلبِي عنهُ؛ حتى يَظهرَ فيهِ رَسمُه.
۞الوفاءُ يا قَمرُ أكبرُ من أن تتصورَهُ الأرواحُ الوفِيَّة
الوفاءُ: أن تُزهقَ الروحُ في سَبيلِ بقاءِ الروحِ الخَفِيَّة



۞يُحِبُّنِي لدرجةِ أن يُضحِّيَ بنفسِهِ؛ لأكُونَ لِغَيرهِ، فيَغِيبُ
ويَختَفِي، وأُحبُّهُ لدرجةِ ألا أرَى غَيرَهُ أمامِي ولا يَراهُ غَيرِي؛
لِيَسكُنَ قَلبِي وأَشْتَفِي.
فأيُّنا أشدُّ كَلَفًا؟!
۞سامحَ اللهُ من حَرمنِي رؤيتَك يومًا، فلو كانَ يسمعُ لواعجَ قلبِي لانصدعَ فؤادُهُ.
۞ويا قَمَر... مَهْما تَناوَشَتكَ نِبالُ غُيُومِ الظَّلامِ، تَتَرَّستُها بظَهرِي؛ لِيُنِيرَ بكَ قَلبِي.



۞أَرَى فِيكَ -أَيُّهَا الْقَمَرُ- شَجَاعَةً لَا تَشْتَبِهُ مَعَ
الطَّيْشِ، وَجَسَارَةً لَا تَلْتَبِسُ مَعَ التَّهَوُّرِ، وَأَمَلًا لَّا
يَمْتَزِجُ مَعَ الْغَفْلَةِ، وَصَلَابَةً لَا تَخْتَلِجُ مَعَ
الْقَسْوَةِ، واعْتِدَادًا بِالنَّفْسِ لَا يُظَنُّ بِهِ الْغُرُورُ،
وَرِقَّةً لَا تَصِلُ لِلضَّعْفِ، وَصَبْرًا لَا يَزُورُهُ الْعَجْزُ.

۞دَعْنِي أَيُّهَا الْقَمَرُ أَتَأَمَّلَكَ، مَتَى تُذْهِبُ بِصَفَائِكَ
كَدَرَ الْوُجُوهِ الْكَالِحَة، وَبِجِمَالِكَ قُبْحَ الْعُهُودِ
السَّافِحَة، وَفِي وَجِهِكَ يَا قَمَرُ أَرْمُقُكَ وَيَكْسُونِي الْخَجَل،
بَيْدَ أَنِّي مَعَ تَمَاطُرِ نَظَرِي لَا تُرْهِقُنِي الْمُقَل،
أَسْرَجْتُ خَيْلِي خَيَالًا وَامْتَطَيْتُ الرَّحِيلَ مُنْتَظِرًا بَصِيصَ
الْأَمَل، أَطْعَنُ الضِّغْنَ والْبَغْضَاءَ وَأَقْطَعُ رُؤُوسَ أَفَاعِي
الْأَسَل، وَأَنْتَظِرُكَ لَاهِفًا أُكَلِّلَكَ التَّاجَ مَابَيْنَ
الأَلْيَثِ وَالْوَجِل.
۞يَا قَمَرُ! لَا يَرَى سَقْطَ عُيُونِكَ
دَمْعًا لَيْسَ يَعْرِفُهُ إلَّا غَرِيْبٌ مِّثْلِي حَائِرٌ ضَجِر، كَيْفَ
يُذْبَحُ الْقَلْبُ ودِمَاءُ رُوحِهُ دُمُوعُهُ وَبِسَقْطِهَا الْعِقْدُ
انْدَثَر، أَرَى قَلْبَكَ مَجْرُوحًا وَفِي دَمِهِ -كَقَلْبِيِ- هَالَاتِ
نُورٍ إِلَيْهَا يَنْصِتُ الْبَشَر، فَسَرَى كِلَانَا وَنَبْعُ النُّورِ
فِي يَدِهِ يُلَاحِقُهُ وَإِنَّ قَابَلَهُ غَدْرُ الْبَشَر، لَأُصَافِحَنَّ
الْغَمَامَ مُتَسَلِّقًا أَغْصَانَ السُّمُوِّ بِسُلَّمِ نُورِكَ يَا
قَمَر.
۞مَتَى أَلْتَقِي بِكَ أَيُّهَا الْقَمَرُ ؟!
إِذَا
كَتَبْتَ كَأَنَّكَ بَحْرٌ تِرْيَاقٌ لِلدَّاءِ الْوَبِيل، وَإذَا
تَكَلَّمْتَ كَأَنَّكَ أَمْطَارٌ تَرْوِي الْغَلِيل، عَيْنُكَ بَحْرٌ
هَائِجٌ يُغْرِقُ الْعَوَّامَ فِي الْجَحْفَلِ الْوَبِيل، أَيُّهَا
الْقَمَرُ لَا تَيْأَسْ وَإنْ جَنَّ بِكَ اللَّيْلُ الطَّوِيل.

۞فَلَا تَسْتَوْحِشْ؛ فَلَيْسَ فِيكَ إِلَّا وَفَاءُ الْعَاهِدِين، لَمْ
أُعْطِكَ إلَّا بِقَدْرِ جُهْدِي أَنْ آخَذَ مِنْكَ كَالْجَنِين، أَنَرْتَ
لِي بِنُورِكَ الصَّافِي فَأَنَارَ كَاغَدِي حِبْرًا لِلسَّائِرِين،
تُسَايِرُنِي فِي كُلِّ طَرِيقٍ قَطَعْتُهُ وَفَاءًا كَصِدْقِ
الصَّادِقِين، كُلَّمَا أَغْضَبْتُكَ كَثُفْتَ مِنِّي غَائِبًا هَارِبًا
بِلَا أَنِين، بِلَا ضَجَرٍ وَلَا عِتَابٍ وَلَا أَلَمٍ وَلَا مُعِينًا
لِلْحَاسِدِين، وَجَدتُّ فِيكَ الصَّدِيقَ الَّذِي لَمْ أَجِدْهُ عَبْرَ
السِّنِين، وَجَدتُّ فِيكَ عِتَابَ رِقَّةٍ وَحَنِين، يَتَلَأْلَأُ فِي
جَبِينِكَ قَطْرَاتُ حَيَاءِ خَفائِرِ الْعِين.
۞لَقَدْ صِرْتَ
قُمْرِيِّ أَيُّهَا الْقَمَرُ؛ أَتَلَأْلَأُ بِنَوَرِكَ السَّمَاوِيِّ
وَأَقْتَبِسُ مِنْ قُوَّتِكَ فِي مُلاَقَاةِ الدَّيْجُور، وَتَرْتَسِمُ
بَسْمَتُكَ عَلَى وَجْنَتِي كُلَّمَا تَذَكَّرْتُكَ فَيَنْفَجِرَ مِن
فُوَّهَةِ الظُّلْمَةِ قَبَسُ النُّور.
۞مَشَيْتَ فِي ظَلَامِ
اللَّيْلِ وَحْدَك، وَعَرَّضْتَّ لِلرِّمَاحِ الصُّمِّ نَحْرَك، وَنَصَبْتَ
لِحَرِّ الْهَجِيرِ حُرَّ وَجْهِك؛ فهَلْ لَكَ أَنْ تَتَصَوَّرَهَا
كُلَّمَا لَاحَتْ فِي أَفْقِ خَاطِرِي، ظَهَرَ ضَوْءُ نُورِكَ فِي
مَحَاجِرِ عَيْنَي تَتَهَاوَى هَوَامِعُ كَأَنَّهَا تَنْطِقُ مُفْصِحَةً
عَنْ شَوْقِهَا لَكَ، وَكَأَنَّ الدُّمُوعَ تَدْمَعُ لِتُعَبِّرَ عَنْ
حُنُوِّهَا إِلَيكَ، وَكَأَنَّ الْعَيْنَ لَا تَمْلِكُ بَيَانًا تُعَبِّرُ
بِهِ إلَّا أَنْ تُرْسِلَ فِي مَآقِيهَا رَسَائِلَ مِنَ الدُّمُوعِ
الْهَائِمَةِ بِكَ.
۞مَهْلًا أَيُّهَا الْقَمَرُ؛ فَقَدْ زِدْتَّنِي يَقِينًا أَنَّكَ الْقَمَرُ!
كَمْ آذَتْكَ أَقْدَاحُ الظُّلُمَاتِ وَأَنْتَ لَهَا مُضِيئٌ بِنُورِكَ؟!
كَمْ كُنْتَ سَلْوَى الْمَحْزُونِينَ، وَلَمَّا أَفَاقُوا ذَهَبُوا دُونَ تَوْدِيعِكَ؟!
كَمْ صِرْتَ مَنْبَعَ إِلْهَامِ الْأُدَبَاءِ وَالشُّعَرَاءِ وَلَمْ يَعْتَرِفُوا بِنَبْعِكَ؟!
كَمْ كُنْتَ شَمْعَةَ الْحُكَمَاءِ فِي ظُلَمَاتِهِمْ فَكَتَبُوا وَذَهَبُوا دُونَ ذِكْرِكَ؟!
۞لَقَدْ تَّعَلَّمْتُ مِنْكَ كَيْفَ تُضِيئُ لِلْآخَرِينَ وَإِنَّ جَحَدُوا فَضْلَكَ !
لَقَدْ تَّعَلَّمْتُ مِنْكَ أَنْ لَّا تُفَرِّقَ بَيْنَ مَنْ تُضِيئُ لَهُمْ فَلِهِدَايَتِهِمْ لَا لِنَفْعِكَ.
تَعَلَّمْتُ أَنَّكَ لَا تَتَغَيَّرُ وَإِنْ تَغَيَّرَتْ مِنْ حَوْلِكَ الْخُطُوبُ وَإِنْ آلَمُوك.
تَظَلُّ حَانِيًا رَقِيقَ الْحِسِّ وَإِنْ مَلَأَتْكَ الْغَيُومُ فتُرْسِلَهَا بَسْمَةً لِمَنْ يَّجْفُوك.
تَظَلُّ صَامِتًا هَادِئًا وَلَوْ تَكَالَبَتْ مِنْ حَوْلِكَ الْعَوَاصِفُ وَالرُّعُودُ تُبَارِزُهَا مُبَارَزَةَ اْلمُلُوك.
تَظَلُّ مُرْشِدًا بِنُورِكَ وَإِنْ تَنَازَلُوا عَنْكَ بِأَضْوَائِهِمْ، وَكُلَّمَا تَذَكَّرُوك..
رَجَعُوا إِلَيْكَ فَوَجَدُوك...
الْقَمَر...
كَمَا كُنْتَ يا قَمَر...
أَلَمْ أَقُلْ لَّك ؟!
......
يَالَكَ مِنْ قَمَر ..!!

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1422053841...


لِــ / أَبِي المعَالِي الرِئْبَالِي

حُرِرَت من قِبل في الجمعة، 08 أيار 2015

لا يوجد تعليقات، كُن أول من يكتب تعليقاً..
الرجاء تسجيل الدخول للتعليق