الجاحظ

الجاحظ
أبو عثمان عمرو بن بحر الكناني الفقيمي البصري الشهير بالجاحظ  من بني فقيم من قبيلة كنانة (159 هـ - 255 هـ) أديب موسوعي يعد من كبار أئمة الأدب في العصر العباسي. من المعتزلة. عمر الجاحظ نحو تسعين عاماً وترك كتباً كثيرة يصعب حصرها، وإن كان البيان والتبيين، كتاب الحيوان، البخلاء أشهر هذه الكتب. قال ابن خلدون عند الكلام على علم الأدب: «وسمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول هذا الفن وأركانه أربعة كتب هي: أدب الكاتب لابن قتيبة، كتاب الكامل للمبرد، كتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب النوادر لأبي علي القالي، وما سوى هذه الأربعة فتبع لها وفروع منها». وضع أبو عثمان عمرو بن بحر الكناني الشهير بالجاحظ -لجحوظ واضح في عينيه- 96 عامًا هي كل عمره، ووضع كل ثقافة العرب واليونان والفرس التي عرفها عصره والتي جمعها الجاحظ ووعاها. كان الجاحظ منهوم علم لا يشبع، ومنهوم عقل لا يرضى إلا بما يقبله عقله بالحجج القوية البالغة. كان صبيًا يبيع الخبز والسمك في سوق البصرة، ثم بدأ يأخذ العلم على أعلامه.. فأخذ علم اللغة العربية وآدابها عن الأصمعي وأبي عبيدة وأبي زيد الأنصاري، ودرس النحو على الأخفش، وتبحر في علم الكلام على يد إبراهيم بن سيار بن هانئ النظام البصري. وكان يذهب إلى مربد البصرة فيأخذ اللغة مشافهة من الأعراب، ويناقش حنين بن إسحاق وسلمويه فيتعرَّف على الثقافة اليونانية، ويقرأ ابن المقفع فيتصل بالثقافة الفارسية، ثم لا يكتفي بكل ذلك، بل يستأجر دكاكين الوارقين ويبيت فيها ليقرأ كل ما فيها من كتب مؤلفة ومترجمة، فيجمع بذلك كل الثقافات السائدة في عصره؛ من عربية وفارسية ويونانية وهندية أيضا.

المقولات (7 مقولات):

قيل في الكتاب

- نِعمَ الذُخرُ والعُقدةُ هوَ، ونِعمَ الجليسُ والعُدَّة، ونعم النَشرةُ والنُّزهة، ونعم المُشتَغَلُ والحرفة، ونعم الأنيس لساعةِالوحدة، ونعم المعرفةُ ببلادِ الغُربة ونعم القَرينُ والدَّخِيل، ونعم الوزيرُ والنزيل،

- والكتاب وعاءٌ مُلِئَ علماً، وَظَرْفٌ حُشِي ظَرْفاً، وإناءٌ شُحِن مُزَاحاً وجِدّاً؛ إن شئت كان أعيا من باقِل، و إِنْ شئتَ كان أبيَنَ من سَحْبانِ وائل، وإن شئتَ ضَحِكْتَ مِنْ نوادِرِهِ، وإن شئتَ عَجِبتَ من غرائبِ فرائِده، وإن شئتَ ألهتْك طرائفُه، وإن شئتَ أشجَتْك مواعِظُه، وَمَنْ لَكَ بِوَاعِظٍ مُلْهٍ، وبزاجرٍ مُغرٍ، وبناسكٍ فاتِك، وبناطقٍ أخرسَ، وبباردِ حارّ،
- ومَنْ لكَ بطبيب أَعرابيّ، وَمَنْ لَكَ برُوميٍّ هِنْدِيّ، وبفارسي يُونَانيّ، وبقَدِيمٍ مولَّد، وبميِّتٍ ممتَّع، وَمَنْ لَكَ بشيءٍ يَجْمَعُ لَكَ الأَوَّلَ والآخِر، والناقص والوافر، والخفيَّ والظاهر، والشاهدََ والغائبَ، والرفيعَ والوضيع، والغَثَّ والسمين، والشِّكْلَ وخِلافَه، والجِنسَ وضدَّه.
- وبعد: فمتى رأيتَ بستاناً يُحمَل في رُدْن، ورَوضةً تُقَلُّ في حِجْرٍ، وناطقاً ينطِق عن الموتَى، ويُترجمُ عن الأحياء وَمَنْ لك بمؤنس لا ينام إلاّ بنومِك، ولا ينطق إلاّ بما تهوَى؛ آمَنُ مِنَ الأرض، وأكتمُ للسرِّ من صاحب السرِّ، وأحفَظُ للوديعةِ من أرباب الوديعة، وأحفَظ لما استُحْفِظَ من الآدميِّين، ومن الأعْرَابِ المعرِبين،
وقد قالَ ذو الرُّمَّةِ لعيسى بن عمر: اكتبْ شِعري؛ فالكتابُ أحبُّ إليَّ من الحفظ، لأنّ الأعرابيَّ ينسى الكلمةَ وقد سهر في طلبها ليلَته، فيضَعُ في موضعها كلمةً في وزنها، ثم يُنشِدها الناسَ، والكتاب لا يَنْسَى ولا يُبدِّلُ كلاماً بكلام.
- ولا أعلَمُ جاراً أبرَّ، ولا خَليطاً أنصفَ، ولا رفيقاً أطوعَ، ولا معلِّماً أخضعَ، ولا صاحباً أظهرَ كفايةً، ولا أقلَّ جِنَايَةً، ولا أقلَّ إمْلالاً وإبراماً، ولا أحفَلَ أخلاقاً، ولا أقلَّ خِلافاً وإجراماً، ولا أقلَّ غِيبةً، ولا أبعدَ من عَضِيهة، ولا أكثرَ أعجوبةً وتصرُّفاً، ولا أقلَّ تصلُّفاً وتكلُّفاً، ولا أبعَدَ مِن مِراءٍ، ولا أتْرَك لشَغَب، ولا أزهَدَ في جدالٍ، ولا أكفَّ عن قتالٍ، من كتاب،
- ولا أعلَمُ قريناً أحسنَ موَافاةً، ولا أعجَل مكافأة، ولا أحضَرَ مَعُونةً، ولا أخفَّ مؤونة، ولا شجرةً أطولَ عمراً، ولا أجمعَ أمراً، ولا أطيَبَ ثمرةً، ولا أقرَبَ مُجتَنى، ولا أسرَعَ إدراكاً، ولا أوجَدَ في كلّ إبَّانٍ، من كتاب،
ولا أعلَمُ نِتاجاً في حَدَاثةِ سنِّه وقُرْب ميلادِه، ورُخْص ثمنه، وإمكانِ وُجوده، يجمَعُ من التدابيرِ العجيبَة والعلومِ الغريبة، ومن آثارِ العقولِ الصحيحة، ومحمودِ الأذهانِ اللطيفة، ومِنَ الحِكَم الرفيعة، والمذاهب القوِيمة، والتجارِبِ الحكيمة، ومِنَ الإخبارِ عن القرون الماضية، والبلادِ المتنازِحة، والأمثالِ السائرة، والأمم البائدة، ما يجمَعُ لك الكتابُ،

ولولا الحكم المخطوطة والكتب المدونة لبطل أكثر العلم ، ولغلب سلطان النسيان سلطان الذكر ، ولما كان للناس مفزع إلى موضع استذكار ، ولو لم يتم ذلك لحرمنا أكثر النفع ، ومن لك بصاحب لا يبتدئك فـي حال شغلك ولا فـي أوقات عدم نشاطك ولا يحوجك إلى التجمل والتذمم ، ومن لك بزائر إن شئت جعلت زيارته غباً ، وورده خمساً ، وإن شئت لزمك لزوم ظلك .

والكتاب هو الجليس الذي لا يطريك ، والصديق الذي لا يقليك ، والرفيق الذي لا يَمَلَّك ، والمستميح الذي لا يؤذيك ، والجار الذي لا يستبطئك ، والصاحب الذي لا يريد استخراج ما عندك بالملق ، ولا يعاملك بالمكر ، ولا يخدعك بالنفاق .

والكتاب هو الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك ، وشحذ طباعك، وبسط لسانك ، وجوَّد بيانك ، وفخَّم ألفاظك ، وعمَّر صدرك ، وحباك تعظيم الأقوام ، ومنحك صداقة الملوك ، يطيعك فـي الليل طاعته بالنهار ، وفي السفر طاعته فـي الحضر ، وهو المعلم الذي إن افتقرت إليه لم يحقرك ، وإن قطعت عنه المادة لم يقطع عنك الفائدة ، وإن عزلت لم يدع طاعتك ، وإن هبَّت عليك ريحُ أعدائك لم ينقلب عليك، ومتى كنت متعلقاً به ، ومتصلاً منه بأدنى حبل لم يضطرك منه وحشة الوحدة إلى جليس السوء ، وإن أمثل ما يقطع به الفراغ نهارهم وأصحاب الكفاية ساعة ليلهم نظرة فـي كتاب لا يزال لهم فيه ازدياد أبداً فـي تجربة وعقل ومروءة وصون عرض وإصلاح دين ومال ورب صنيعة وابتداء إنعام .

ولو لم يكن فـي ذلك إلا أنه يشغلـك عن سخف المنى وعن اعتيـاد الراحة وعن اللعب وكل ما أشبه ، لقد كان فـي ذلك على صاحبه أسبغ النعمة وأعظم المنَّة ، وهو الذي يزيد فـي العقل ويشحذه ويداويه ويهذبه وينفي الخبث عنه ، ويفيد العلم ، ويصادق بينك وبين الحجة ، ويقودك للأخذ بالثقة ، يعمر الحال ، ويكسب المال ، وهو منبهة للمورث، وكنز عند الوارث؛ غير أنه كنز لا زكاة فيه ، ولا حق للسلطان يُخرج منه، هو كالضيعة التي لا تحتاج إلى سقي ولا إسجال بإيغار، ولا إلى شُرط ولا أكار، وليس عليها عشر للسلطان ولا خراج، ولولا ما رسمت لنا الأوائل فـي كتبها ، وخلَّدت من عجيب حكمها ، ودوَّنت سيرتها حتى شاهدنا بها من غاب عنا، وفتحنا به كل منغلق، فجمعنا فـي قليلنا كثيرهم وأدركنا ما لم ندركه إلا بهم.


قال اللّه عزّ وجلّ لنبيّه عليه الصلاة والسلام (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) فَوَصَفَ نَفْسَهُ، تبارك وتعالى، بأنْ علَّمَ بالقَلم، كما وصف نفسَه بالكرَم، واعتدَّ بذلك في نِعَمه العِظام، وفي أيادِيه الجِسام، وقد قالوا: القَلَمُ أحدُ اللسانَين، وقالوا: كلُّ مَنْ عَرَف النِّعمةَ في بَيان اللسانِ، كان بفضل النِّعمة في بيانِ القلم أعرَف ، ثمَّ جَعَلَ هذا الأمرَ قرآناً، ثمَّ جعلَه في أوَّل التنزيل ومستَفْتَح الكتاب.
والكتابُ هو الذي يؤدِّي إلى الناس كتبَ الدين، وحسابَ الدواوين مع خفَّة نقلِه، وصِغَر حجمه؛ صامتٌ ما أسكتَّه، وبليغ ما استنطقته، ومَن لك بمسامر لا يبتديك في حالِ شُغْلك، ويدعُوك في أوقاتِ نشاطِك، ولا يُحوِجك إلى التجمُّل له والتذمُّم منه، ومَن لكَ بزائرٍ إن شئتَ جعل زيارتَه غِبّاً، وورُوده خِمْساً، وإن شئت لَزِمَك لزومَ ظلِّك، وكان منك مكانَ بعضِك.

حُرِرَت من قِبل في الخميس، 28 تشرين الأول 2010
--------

نوادِرُ المُعَلّمين

حُكيَ عَن الجاحظِ أنَّهُ قال ألَّفتُ كِتاباً في نَوادِرِ المعلمين وما هُم عَليهِ مِن التَغَفُّلِ ثُمَّ رَجَعتُ عَن ذلك وعَزِمتُ على تَقطيعِ ذلك فَدَخلتُ يوماً مَدينةً فَوَجدتُ فيها مُعَلِّماً في هَيئةٍ حَسنَةٍ فَسَلَّمتُ عليه فَردَّ عَليَّ أحَسنَ رَد ورَحَّبَ بي فَجَلستُ عِندَهُ وباحَثتُهُ في القرآنِ فإذا هُوَ مَاهرٌ فيه ثُم فاتَحته في الفِقهِ والنَحوِ وعِلم المعقولِ وأشعارِ العرب فإذا هو كاملُ الآدابِ فقلتُ هذا والله مما يُقوَّي عَزمي على تَقطيعِ الكِتاب؛ قال فُكنتُ أختلفُ إليه وأزورهُ فجئتُ يوماً لزيارتِهِ فإذا بالكتابِ مغلقٌ ولم أجدهُ فسألتُ عنه فقيلَ مات لهُ ميت فَحزِنَ عَليهِ
وجَلسَ في بَيتِهِ للعزاء، فَذهبتُ إلى بيتهِ وطَرَقتُ البابَ فَخرجَت إلَّي جاريةٌ وقالت ما تُريد؟ قلت سَيِّدُك، فَدَخَلَتْ وخرجتَ وقالت باسم الله، فدخلتُ إليه وإذا به جالسٌ فقلت عَظَّمَ الله أجرَكَ لقد كان لكُم في رسول الله أسوةٌ حسنة كل نفسٍ ذائقةُ الموت فعليك بالصبر ثم قلت له هذا الذي توفيّ ولدك؟ قال لا، قلت فوالدك؟ قال لا، قلت فأخاك؟ قال لا، قلت فزوجَتُك؟ قال لا، فقلت وما هو مِنكَ؟ قال حبيبتي، فقلت في نفسي هذه أولُ المناحسِ فقلت سبحان الله النساء كثير وستجد غيرها، فقال أتَظُنُّ أنِّي رأيتُها؟! قلت وهذه مَنحسةٌ ثانية ثُم قلت وكيف عشقتَ مَنْ لَم تَرَ؟ فقال كُنتُ جالساً في هذا المكان وأنا أنظرُ مِن الطاقِ إذ رأيتُ رَجلاً عليهِ بُردٌ وهو يقول
( يا أمَّ عمرو جزاكِ الله مَكرَمَةً ... رُدِّي عَليّ فؤادِي أينما كانا )
( لا تأخذين فؤادي تَلعبين به ... فكيف يلعب بالإنسان إنسانا )

فقلت في نفسي لولا أنَّ أمّ عمرو هذه ما في الدنيا أحسنَ منها ما قيل فيها هذا الشعر فعَشِقتُها فلما كان منذ يومين مَرَّ ذلك الرجل بِعَينِه وهُوَ يقول
( لقد ذهبَ الحِمارُ بأمِّ عمروٍ ... فلا رَجعتْ ولا رَجعَ الحِمارُ )

فعلمتُ أنَّها ماتت فحزنتُ عليها وأغلقتُ المكتبَ وجلستُ في الدار. فقلت يا هذا إني كنتُ ألفتُ كِتابا في نوادركم مَعشرَ المعلمين وكُنت حينَ صاحَبتُكَ قد عَزَمتُ على تقطيعهِ والآن قد قَوَّيتُ عزمي على إبقائهِ وأولُ ما أبدأُ أبدأُ بكَ إن شاء الله تعالى.

حُرِرَت من قِبل في الخميس، 18 تشرين الثاني 2010
--------

نِصفُ الوَجهِ وِنصفُ اللِسانِ

لَئِن يَكونَ لي نِصفُ وَجهٍ ونِصفُ لِسانٍ،
على ما في ذلكَ مِن قُبحِ المَنظَرِ وعَجزِ المَخبَرِ،
أحَبُّ إليَّ من أن أكونَ ذا وَجهَينِ، وذا لِسانَينِ،
وذا قَولَين مُختَلِفين.

حُرِرَت من قِبل في السبت، 25 كانون الأول 2010
--------

كيفَ تُعالج الزّلة والذنب؟

يقولُ الجاحظ :

أما بعدُ،
فَنِعمَ البَديلُ من الزَّلَّةِ الاعتذارُ، و بِئسَ العوَضُ مِن التَوبةِ الإصرارُ.
حُرِرَت من قِبل في الأحد، 14 نيسان 2013
--------

في الشّعر والظنّ والاختيار

"شِعْرُ الرَّجُلِ قِطْعَةٌ من كلامِهِ ، وظَنُّهُ قِطعَةٌ من عِلْمِهِ ، واختِيارُهُ قِطْعَةٌ من عَقْلِهِ"
حُرِرَت من قِبل في الأحد، 12 كانون الثاني 2014
--------