خاطِرة

210 مقولات

تكذيب الناس لابن بطّوطة

لا تنكرنّ ما ليس بمعهود عندك ولا في عصرك شيء من أمثاله. فكثير من الخواص إذا سمعوا الأخبار الغريبة عن الدول السالفة بادر بالإنكار، وليس ذلك من الصواب؛ فإن أحوال الوجود والعمران متفاوتة، ومن أدرك منها رتبة سفلى أو وسطى فلا يحصـُر المداركَ كلـَّها فيها. ‏ ‏ واعتبر ذلك بما نقصـّه عليك من هذه الحكاية المستظرفة: ‏ ‏ ورد بالمغرب في عهد السلطان أبي عنان رجل يـُعرف بابن بطوطة كان رحل منذ عشرين سنة قبلها إلى المشرق، وتقلـّب في بلاد العراق واليمن والهند، ودخل مدينة دهلي حاضرة ملك الهند، واتصل بملكها، وكان له منه مكان، واستعمله في أمر القضاء بمذهب المالكية. ثم انقلب إلى المغرب، واتصل بالسلطان أبي عنان. وكان يحدّث عن شأن رحلته، وما رأى من العجائب بممالك الأرض. وأكثر ما كان يحدّث عن دولة صاحب الهند، ويأتي من أحواله بما يستغربه السامعون. فتناجى الناس بتكذيبه. ‏ ‏ ولقيتُ أيامئذٍ وزيرَ السلطان. ففاوضته في هذا الشأن، وأريتـُه إنكارَ أخبار ذلك الرجل لما استفاض في الناس من تكذيبه، فقال لي الوزير: ‏ ‏ إيـّاك أن تستنكر مثلَ هذا من أحوال الدول بما أنك لم تره، فتكون كابن الوزير الناشئ في السجن: وذلك أن وزيرًا اعتقله سلطانـُه، ومكث في السجن سنين رَبـِيَ فيها ابنه في ذلك المحبس. فلما أدرك وعقل، سأل عن اللحم الذي كان يتغذى به، فقال أبوه: هذا لحم الغنم. فقال: وما الغنم يا أبتِ؟ تراها مثل الفأر؟! إذ لم يعاين في محبسه من الحيوانات إلا الفأر، فحسبها كلها أبناء جنس الفأر! ‏ ‏ وهذا كثيرًا ما يعتري الناس في الأخبار كما يعتريهم الوسواس في الزيادة عن قصد الإغراب. فليكن الإنسان مهيمنـًا على نفسه، ومميزًا بين طبيعة الممكن والممتنع بصريح عقله، ومستقيم فطرته. فما دخل في نطاق الإمكان قـَبـِلـَه، وما خرج عنه رفضه. ‏

حُرِرَت من قِبل في الأحد، 17 تشرين الأول 2010
--------

جارية ابن السَمّاك

تكلم ابن السماك يوماً وجارية له تسمع.‏ ‏ فلما دخل قال لها:‏ ‏ كيف سمعت كلامي؟‏ ‏ قالت:‏ ‏ ما أحسنه لولا أنك تكثِر ترْدادَه!‏ ‏ قال:‏ ‏ أُردِّده حتى يفهمَه من لم يفهمْه.‏ ‏ قالت:‏ ‏ إلى أن يَفهمَه من لم يَفهمْه يكون قد مَلـَّه مَن فهمَه. ‏

حُرِرَت من قِبل في الأحد، 17 تشرين الأول 2010
--------

سعرُ الزَّيت

حدّث أبو عبد الله بن أبي عوف التاجر، قال:‏ ‏ ضاق صدري في وقت من الأوقات ضيقًا شديدًا لا أعرف سببه، فتقدّمتُ إلى من حمل لي طعامًا كثيرًا وفاكهة وعدة من جواريّ إلى بستان لي على نهر عيسى، وأمرت غلماني وأصحابي أن لا يجيئني أحد منهم بخبر يشغل قلبي ولو ذهب مالي كله، ولا يكاتبني. وعملت على أن أقيم في البستان بقية أسبوعي أتفرّج مع أولئك الجواري. ‏ ‏ لما قربت من البستان، استقبلني ساعٍ معه رسائل. فقلت له:‏ ‏ من أين وردت؟‏ ‏ فقال: من الرقـّة.‏ ‏ أردت أن أقف على كتبه وأخبار الرقة وأسعارها. فقلت: ‏ ‏ أنت قريب من بستان لي، فتعال معي حتى تستريح الليلة في البستان، وأغيّر حالك، وأطعمك، وتدخل بغداد غدًا. ‏ ‏ فقال: نعم. ‏ ‏ ومشى معي راجعًا حتى دخلنا البستان، فأمرتُ من فيه أن يُدخله حمّامًا، ويغيّر ثيابه ببعض ثياب غلماني ويطعمه. فابتدأوا معه في ذلك. وتقدَّمتُ إلى غلام لي فسرق كتبه، وجاءني بها ففتحتها، وقرأت جميع ما فيها، وعرفت من أسرار التجار الذين يعاملونني شيئًا كثيرًا، وتفرّجت بذلك. ووجدت جميع الكتب تنصح التجار بأن يتمسّكوا بما في أيديهم من الزيت، ولا يبيعوا منه شيئًا، فإنه قد غلا عندهم وعَزّ.‏ ‏ فأنفَذْت إلى وكلائي في الحال فاستدعيتهم، وقلت لهم:‏ ‏ خذوا من فلان الصيرفي وفلان الصيرفيّ كل ما عندهم من الدنانير والدراهم الساعة، ولا ينقضي اليوم إلا وتبتاعون كل ما تقدرون عليه من الزيت، واكتبوا إليّ عند انقضاء النهار بالصورة. ‏ ‏ فمضوا. فلما كان العشاء جاءني خبرهم بأنهم قد ابتاعوا زيتًا بثلاثة آلاف دينار. فكتبت إليهم بقبض ألوف دنانير أُخر، وبشراء كل ما يقدرون عليه من الزيت. ‏ ‏ وأصبحنا، فدفعت إلى الساعي ثلاثة دنانير، وقلت له: ‏ ‏ إن أقمتَ عندي دفعت إليك ثلاثة دنانير أخرى. ‏ ‏ فقال: أَفعل. ‏ ‏ وجاءتني رقعة أصحابي بأنهم ابتاعوا زيتًا بأربعة آلاف دينار، وأن سعره قد غلا لطلبهم إياه. فكتبت بأن يبتاعوا كل ما يقدرون عليه وإن كان السعر قد زاد. ‏ ‏ وشاغلتُ الرسول اليوم الثالث، ودفعتُ إليه في اليومين ستة دنانير، وأقام ثلاثة أيام، وابتاع أصحابي بثلاثة آلاف دينار أخرى. وجاءوني عشيّا فقالوا: ‏ ‏ كان ما ابتعناه اليوم زائدًا على ما قبله في السـِّعر، في كل عشرة نصف درهم، ولم يبق في السوق شيء يفكـِّر فيه. ‏ ‏ فصرفت الرسول. وأقمت في بستاني أيامًا، ثم عدت إلى داري، وقد قرأ التجار الكتب، وعرفوا خبر الزيت بالرقة، فجاءوني يهرعون ويبذلون في الزيت زيادة اثنين في العشرة، فلم أبع، فبذلوا زيادة ثلاثة في العشرة، فلم أبع. ومضى على ذلك نحو من شهر، فجاءوني يطلبون زيادة خمسة وستة، فلم أفعل. فجاءوا بعد أيام يعرضون شراء الزيت بعشرين ألف دينار، فبعته. ‏ ‏ ونظرت، فلم يكن لضيق صدري وانفرادي في البستان ذلك اليوم سبب إلا ما أحبّه الله تعالى، أن يوصل إليّ ربح عشرة آلاف دينار! ‏

حُرِرَت من قِبل في الأحد، 17 تشرين الأول 2010
--------

اليُسرُ بَعدَ العُسر

إذا أصْبَحْتَ في عُسرٍ - فَلا تَحزَن لَهُ وافرَحْ
فَبَعدَ العُسرِ يُسرٌ عا - جِلٌ وإقرأ ألم نَشرحْ

حُرِرَت من قِبل في الجمعة، 19 تشرين الثاني 2010
--------

ثَلاثُ خِصال

يُحكى عَن بَعضِ قُدماءِ الملوكِ أنَّهُ كانَ إذا أرادَ مُحارَبَةَ مَلكٍ، وَجَّهَ إلى مملكَتِهِ عُيوناً يَبحَثونَ عَن أخبارِهِ وأخبارِ رَعيَّتِهِ قَبلَ أنْ يُقدِمَ على مُحارَبَتِهِ، ويأمُرُ هؤلاءِ الجواسيسَ بالبحثِ عَن ثلاثِ خِصالٍ مِن أمرِه، وهي: ‏ ‏ أنْ يَنظروا فِيما يُرفَعُ إلى هذا الملكِ مِن أخبارِ رَعيتِهِ، هَل هي على حَقيقَتِها، أو أنَّ أصحابَهُ ووُزراءَهُ يَخدَعونَهُ ويَكذِبونَ عليهِ فيها؛ وأنْ يبحثوا عَن الغِنى والجاهِ في أيِّ صِنفٍ مِن الناسِ هُما: في أهلِ الشَّرفِ والعَقلِ، أمْ في الأنذالِ؛ وأنْ يبحثوا في أمرِ المشاورةِ: هل يَستَعمِلُها في أمورِهِ، أمْ يُمضي الأمورَ على هواهُ.‏ ‏ فإنْ قالوا له عِندَ رُجوعِهِم إنَّ الأمورَ والأخبارَ تُرفعُ إليه على حقيقَتِها، وأنَّ الغِنى والجاه لدى أهلِ الشرفِ والعقل، وأنَّهُ يَستَعمِلُ المشاورةَ، كَفَّ الملكُ عَن مُحارَبَتِهِ والطَمعِ في مملكتهِ. ‏

حُرِرَت من قِبل في السبت، 20 تشرين الثاني 2010
--------