قَناعَة

62 مقولة

في انقلاب الزمان بأهله

حُكيَ عَن شيخٍ مِن همدان قال بَعَثَني أهلي في الجاهليةِ إلى ذي الكِلاعِ الحميري بِهدايا فَمَكَثتُ شهراً لا أصِلُ إليهِ ثُمَّ بَعدَ ذلك أشرفَ أشرافةً مِن كُوَّةٍ فَخَرَّ لَه مَن كان حَولَ القصرِ سُجدّا ثُمَّ رأيتُهُ مِن بعد ذلك وقد هَاجرَ إلى حِمص واشترى بدرهمٍ لحماً وسَمطُهُ خَلفَ دابَّتِهِ وهو القائل هذه الأبيات
( أفٍ للدُّنيا إذا كانت كَذا ... أنا مِنها في بَلاءٍ وأذى )
( إنْ صَفا عَيشُ امرئٍ في صُبِحِها ... جَرَّعَتهُ مُمسيا كأسَ الرَدى )


ومن قول ذلك
( رُبَّ يَومٍ بَكيتُ مِنهُ فَلمّا ... صِرتُ في غَيرهِ بَكيتُ عَليهِ )

ومثله
( وما مَرَّ يومٌ أرتجي فيهِ راحَةً ... فأُخبِرُهُ إلا بَكيتُ على أمسي )
وقال آخر
( فَما النّاسُ بالناسِ الذينَ عَهِدتُهُم ... ولا الدّارُ بالدّارِ التي كُنتُ أعهَدُ )


ويُروى أنَّ أحَدَهُم دخلَ غارا، فوجدَ فيه رجُلا مَيتا وعِند رأسِهِ لوحٌ مَكتوبٌ فيه
أنا فلانُ ابنُ فلان، الملك، عِشتُ ألفَ عام وبنيتُ ألفَ مدينة وافتَضَضتُ ألفَ بكر وهَزَمتُ ألفَ جيش ثُمّ صَاَر أمري إلى أنْ بَعثتُ زنبيلاً مِن الدراهم لي في رغيفٍ فَلَم يوجد ثم بَعثتُ زنبيلا مِن الجواهرِ فلم يوجد فَدَقَقتُ الجواهرَ واستَفَيتُها فَمُتُّ مكاني فَمَن أصَبحَ ولَهُ رَغيفٌ وهوَ يَحسَبُ أنَّ على وجهِ الأرضِ أغنى مِنهُ أماتَهُ الله كإماتتي.


وذُكِرَ أنّ عبد الرحمن بن زياد لَمّا وُلِيَّ خُراسان حَازَ مِن الأموالِ ما قَدَّرَ لِنَفسهِ أنَّهُ إنْ عاشَ مائةَ سنة يُنفقُ في كُلِّ يَومٍ ألفَ درهمٍ على نَفسِهِ أنَّهُ يَكفيه فرُؤيَ بَعدَ مُدَّةٍ وقد احتاجَ إلى أنْ باعَ حِليةَ مُصحَفِهِ وأنفقها.

- من كتاب المستطرف لكل فن مستظرف (بتصرف).

حُرِرَت من قِبل في الأحد، 07 تشرين الثاني 2010
--------

قوَّةُ المال (من كليلة ودمنة)

بَدأ الجُرذُ وقال: كانَ مَنزِلي أوَّل أمري بِمَدينةِ ماروت في بَيتِ رَجلٍ نَاسكٍ وكان خالياً من الأهلِ والعيال، وكان يُؤتى في كل يَومٍ بِسلةٍ مِن الطَّعامِ فيأكلُ مِنها حاجَتَهُ ويُعَلِّقُ الباقي، وكُنتُ أرصُدُ الناسِكَ، حَتَّى يَخرُج وأثِبُ إلى السَّلةِ، فلا أدعُ فيها طعاماً إلا أكلتُه، وأرمي بِهِ إلى الجرذان. فَجِهدَ النّاسِكُ مِراراً أنْ يُعَلِّقَ السلَّةَ مكاناً لا أنالُهُ فَلمْ يَقدِر على ذلك، حتى نَزلَ به ذاتُ ليلةٍ ضيفٌ فأكلا جميعاً، ثُمَّ أخذا في الحديث فقال الناسكُ للضيفِ: مِن أي أرضٍ أقبلت؟ وأين تُريدُ الآن؟ وكان الرجل قد جَابَ الآفاقَ ورأى عَجائِبَ فأنشأ يُحدِّثُ الناسكَ عَمّا وَطئَ مِن البلاد، ورأى من العجائب، وجَعلَ الناسكُ خلالَ ذلك يُصَفِّقُ بيديهِ لِيُنَفّرَني عَن السلةِ، فَغَضِبَ الضَّيفُ وقال: أنا أحُدِّثُكَ وأنتَ تهزأُ بحديثي! فما حَملكَ على أنْ سألتني؟ فاعتذرَ إليه الناسكُ، وقال: إنِّما أصفقُ بيدي لأُنَفِّرَ جُرذاً قَد تُحيَّرتُ في أمرهِ، ولَستُ أضعُ في البيتِ شيئاً إلا أكلَهُ، فقال الضيفُ: جُرذٌ واحدٌ يَفعلُ ذلكَ أمْ جِرذان كثيرة؟ فقال الناسك: بل هوَ جرذٌ واحد فما أستطيع له حيلة. قال الضيف: لقد ذَكَّرتَني قَولَ الذي قال: لأمرٍ ما باعتْ هذهِ المرأةُ سِمسِماً مقشوراً بغيرِ مَقشور! قال الناسك: وكيف كان ذلك؟قال الضيف: نَزلتُ مَرَّةً على رجلٍ بِمكان كذا، فَتعَشينا، ثم فَرَشَ لي. وانقلبَ الرجل على فراشه، فَسمِعتُهُ يقولُ في آخرِ الليلِ لامرأتِه: إني أريدُ أن أدعو غداً رَهطا (أي جماعة من الناس) ليأكلوا عِندنا، فاصنعي لهم طعاماً. فقالت المرأة: كيفَ تَدعو الناسَ إلى طَعامِكَ، وليس في بيتِكَ فضلٌ عَن عيالك؟ وأنت رَجلٌ لا تُبقي شيئاً ولا تَدَخِرُه. قال الرجل: لا تَندَمي على شيءٍ أطعمناه وأنفقناه: فإنَّ الجَمعَ والادِّخارَ رُبَّما كانت عاقِبَتُهُ كعاقِبَةِ الذئبِ. قالت المرأةُ وكيف كان ذلك؟ قال الرجل: زعموا أنَّهُ خَرجَ ذاتَ يومٍ رجلٌ قانصٌ، ومعهث قوسُهُ ونشابه (أي السِّهام) فلم يجاوزُ غيرَ بعيد، حتى رمى ظبياً، فحَملهُ ورجعَ طالباً مَنزِلُه، فاعترضه خِنزيرٌ بريٌّ فرماهُ بنشابةٍ نفذت فِيه، فأدرَكَهُ الخِنزيرُ وضَرَبَهُ بأنيابِه ضَربةً أطارت مِن يدهِ القَوسَ، ووقعا مَيتَين، فأتى عليهِم ذِئبٌ فقال: هذا الرجل والظبيُ والخنزيرُ يكفيني أكلُهُم مُدَّةً، ولكن أبدأ بهذا الوتر (أي القوس) فآكُلُهُ، فَيكونُ قُوتَ يَومي، فعالجَ الوتر حتى قَطَعهُ فلما انقطع طارت سِيَّةُ القوس فضربت حلقهُ فمات. وإنما ضربتُ لَكِ هذا المثل لتعلمي أنَّ الجَمعَ والادخارِ وخَيمُ العاقبة. فقالت المرأة: نِعمَ ما قُلت! وعِندنا مِن الأرزِّ والسمسم ما يكفي سِتةَ نفرٍ أو سبعة، فأنا غاديةٌ على اصطناعِ الطعام، فادعُ مَن أحببت. وأخذت المرأةُ حِين أصبحت سِمسماً فقشَّرَتُه، وبسطتُه في الشمسِ ليجفّ، وقالت لغلامٍ لهم: اطرد عَنهُ الطيرَ والكلابَ وتَفَرَّغتْ المرأةُ لِصُنعها؛ وتغافلَ الغلامُ عَن السمسم؛ فجاء كلبٌ، فعاثَ فيه؛ فاستَقذَرَتُه المرأةُ، وكَرِهَت أنْ تَصنعَ مِنهُ طعاماً ما؛ فذهبتْ بِه إلى السوقِ، فأخذت به مُقايَضَةً سمسماً غيرَ مقشور: مَثلاً بمثلٍ، وأنا واقفٌ في السوق؛ فقال رجلٌ: لأمرٍ ما باعت هذه المرأة سمسماً مقشوراً بغير مقشورٍ. وكذلك قولي في هذا الجرذ الذي ذكرتَ أنَّه على غَير عِلَّةٍ ما يَقدِرُ على ما شَكوتَ مِنه. فالتَمِسْ لي فأساً لَعلّي أحتفر جُحرَهُ فأطَّلِعَ على بَعضِ شأنِه. فاستعار الناسكُ مِن بَعضِ جِيرانِه فأساً، فأتى بها الضيفَ، وأنا حينئذٍ في غِيرِ جُحري أسمَعُ كلامَهُما، وفي جُحري كيسٌ فيه مائةُ دينارٍ، لا أدري مَن وَضَعَها، فاحتفر الضيف حتى انتهى إلى الدنانير فأخذها وقال الضيفُ: ما كان هذا الجُرذُ يَقوى على الوثوبِ حَيثُ كان يَثِبُ إلا بهذهِ الدنانير: فإنَّ المالَ جَعلَ لَهُ قُوَّةَ وزِيادَةً في الرأي والتَّمَكُن. وسَترى بعد هذا أنَّه لا يَقدِرُ على الوثوبِ حيثُ كان يَثِب. فلَّما كان مِن الغد اجتمعَ الجُرذانُ التي كانت مَعي فقالت: قَد أصابَنا الجوعُ، وأنتَ رجائُنا فانطلقتُ ومَعي الجُرذان إلى المكان الذي كُنتُ أثِبُ مِنهُ إلى السلة فحاولتُ ذلك مِراراً: فلم أقدر عليه فاستبان للجرذانِ نَقصَ حالي فَسَمِعتُهُنَّ يَقُلنَ: انصَرِفنَ عَنهُ، ولا تَطمَعنَ فيما عنده: فإنا نَرى لَهُ حالاً لا نَحسَبُهُ إلا قَد احتاجَ مَعَها إلى مَن يَعوله. فَتَركَنني، ولَحِقنَ بأعدائي وجَفَونني، وأخَذنَ في غِيبتي عِندَ مَن يُعاديني ويَحسِدُني. فقُلتُ في نَفسي: ما الإخوانُ ولا الأعوانُ ولا الأصدقاءُ إلا بالمالِ ووجدتُ مَن لا مالَ له، إذا أرادَ أمراً قَعدَ به العَدَمُ عمّا يُريدهُ: كالماءِ الذي يبقى في الأوديةِ مِن مَطرِ الشتاء: لا يَمُرُّ إلى نَهرٍ ولا يجري إلى مكان، فَتَشرَبُه أرضُه. ووجدتُ مَن لا إخوانَ له لا أهلَ له، ومَن لا ولَدَ لَه لا ذِكرَ له: ومَن لا مالَ له لا عَقلَ له، ولا دُنيا ولا آخرةَ له: لأنَّ الرَّجُلَ إذا افتقرَ قَطَعَهُ أقارِبُهُ وإخوانُه: فإنَّ الشجرةَ النابتةَ في السباخِ، المأكولةَ مِن كُلِّ جَانبٍ، كَحالِ الفقيرِ المحتاجِ إلى ما في أيدي الناس.ووَجدتُ الفَقرَ رَأسَ كُلِّ بَلاء، وجالباً إلى صاحبهِ كُلَّ مَقت، ومَعدِنُ النميمة. ووَجدتُ الرَّجُلَ إذا افتقرَ اتهَمَهَ مَن كانَ له مُؤتَمِناً، وأساءَ بِه الظَنَّ مَن كانَ يَظُنُّ فيهِ حَسناً: فإنْ أذنبَ غَيرهُ كانَ هُوَ للتُهمَةِ مَوضعاً. وليس مِن خِلَّةٍ هي للغَني مَدحٌ إلا وهي للفقيرِ ذمٌ، فإنْ كانَ شجاعاً قيل: أهوج، وإنْ كان جَواداً سُمّي مُبذِّراً، وإنْ كان حَليماً سُمِّيَ ضَعيفاً، وإنْ كان وَقوراً سُمّي بَليداً. فالموتُ أهونُ مِن الحاجةِ التي تُحوِجُ صَاحِبَها إلى المَسألةِ، ولا سِيَّما مَسألةُ الأشحاءِ واللئامِ: فإنَّ الكَريمَ لَو كُلِّفَ أنْ يُدخِلَ يَدَهُ في فَمِ الأفعى، فُيخرجُ مِنهُ سُمّاً فَيَبتَلِعهُ كان ذلك أهوَنُ عَليه وأحَبُّ إليهِ مِن مسألةِ البخيلِ اللئيم. وقد كُنتُ رَأيتُ الضيفَ حِينَ أخذَ الدنانيرَ فقاسَمَها الناسكَ، فَجعلَ الناسكُ نصيبَهُ في خَريطَةٍ عِندَ رأسِه ولما جنّ الليلُ، طَمِعتُ أنْ أُصيبَ مِنها شيئاً فأرُدَّهُ إلى جُحري، ورَجوتُ أنْ يزيدَ ذلكَ في قُوَّتي، ويُراجِعُني بِسَبَبِهِ بَعضُ أصدقائي. فانطلقتُ إلى الناسكِ وهو نائمٌ، حتى انتهيتُ عِندَ رأسِه، ووجدتُ الضيفَ يقظان، وبِيَدِهِ قَضيبٌ، فَضَرَبني على رأسي ضَربَةً مُوجِعَةً، فَسعيتُ إلى جُحري. فلَمّا سَكَنَ عَنِّيَ الألمُ، هَيَّجَني الحِرصُ والشَرَهُ، فَخَرجتُ طَمِعاً كطمعي الأول، وإذا الضيفُ يَرصُدُني، فضربني ضربة أسالت مِني الدَمَ، فتقلبتُ ظهراً لبطن إلى جُحري، فخَرَرتُ مَغشِيّاً عَليّ، فأصابني مِن الوَجَعِ، ما بَغَّضَ إليَّ المالَ، رِعدَةً وهَيبة. ثُمَّ تَذَكَّرتُ فَوجدُتُ البَلاءَ في الدُنيا إنَّما يَسوقُهُ الحِرصُ والشره، ولا يزالُ صاحِبُ الدُّنيا في بَليَّةٍ وتَعَبٍ ونَصَبٍ، ووَجدتُ تَجَشُّمَ الأسفارِ البَعيدةِ في طَلبِ الدُنيا أهْوَنُ عَليّ مِن بَسطٍ اليَدِ إلى السَّخىِّ بالمال، ولَمْ أرَ كالرِضا شَيئاً، فَصارَ أمري إلى أنْ رَضيتُ وقَنَعتُ، وانتَقَلتُ مِن بَيتِ الناسكِ إلى البَرِّية.

حُرِرَت من قِبل في الاثنين، 22 تشرين الثاني 2010
--------

الشقاءُ لا يَعرِفُ الطبقاتِ الاجتماعية

الذي يَسكُنُ في أعماقِ الصَّحراءِ يَشكو مُرَّ الشكوى لأَنَّهُ لا يَجدُ الماءَ الصالحَ للشُرب.
و ساكِنُ الزمالك (حيٌّ من أحياء القاهرة الراقية) الذي يَجدُ الماءَ و النُّورَ و السَّخانَ و التكييفَ و التليفون و التلفزيون لو استمعتَ إليهِ لَوَجدتَهُ يَشكو مُرَّ الشكوى هُوَ الآخرُ مِن سوءِ الهَضمِ و السُّكَرِ و الضغط.
و المليونيرُ ساكنُ باريس الذي يجد كُلَّ ما يَحلُمُ بِه، يشكو الكآبةَ و الخَوفَ مِن الأماكنِ المُغلقة و الوسواسَ و الأرقَ و القلقَ.
و الذي أعطاه الله الصِّحَةَ و المالَ و الزوجةَ الجميلة يَشُكُّ في زوجته الجميلة و لا يَعرِفُ طعم الراحة.
و الرجلُ الناجحُ المشهورُ النجمُ الذي حالَفَهُ الحظُّ في كلِّ شيءٍ و انتصر في كلِّ معركةٍ لَم يستطع أنْ يَنتَصِرَ على ضَعفِهِ و خُضوعِهِ للمُخَدِّرِ فأدمنَ الكوكايين و انتهى إلى الدمار.
و الملك الذي يَملِكُ الأقدارَ و المصائرَ و الرقابَ تَراهُ عَبداً لشهوته خادما لأطماعهِ ذليلاً لنزواتهِ.
و بَطلُ المصارعةِ أصابهُ تضخُّمٌ في القلب نتيجةَ تضخمٍ في العضلات.
كُلُّنا نَخرجُ مِن الدُّنيا بِحظوظٍ متقاربة بِرَغمِ ما يبدو في الظاهرِ مِن بُعدِ الفوارق.
و بِرَغمِ غِنى الأغنياءِ و فَقرِ الفقراءِ فمحصولهم النهائيُّ مِن السعادةِ و الشقاءِ الدُّنيَوي متقاربٌ.
فالله يأخذ بقدر ما يعطي و يعوض بقدر ما يحرم و ييسر بقدر ما يعسر.. و لو دخل كل منا قلب الآخر لأشفق عليه و لرأى عدل الموازين الباطنية برغم اختلال الموازين الظاهرية.. و لما شعر بحسد و لا بحقد و لا بزهو و لا بغرور.
إنما هذه القصور و الجواهر و الحلي و اللآلئ مجرد ديكور خارجي من ورق اللعب.. و في داخل القلوب التي ترقد فيها تسكن الحسرات و الآهات الملتاعة.
و الحاسدون و الحاقدون و المغترون و الفرحون مخدوعون في الظواهر غافلون عن الحقائق.
و لو أدرك السارق هذا الإدراك لما سرق و لو أدركه القاتل لما قتل و لو عرفه الكذاب لما كذب.
و لو علمناه حق العلم لطلبنا الدنيا بعزة الأنفس و لسعينا في العيش بالضمير و لتعاشرنا بالفضيلة فلا غالب في الدنيا و لا مغلوب في الحقيقة. والحظوظ كما قلنا متقاربة في باطن الأمر و محصولنا من الشقاء و السعادة متقارب برغم الفوارق الظاهرة بين الطبقات.. فالعذاب ليس له طبقة و إنما هو قاسم مشترك بين الكل.. يتجرع منه كل واحد كأسا وافية ثم في النهاية تتساوى الكؤوس برغم اختلاف المناظر و تباين الدرجات و الهيئات
و ليس اختلاف نفوسنا هو اختلاف سعادة و شقاء و إنما اختلاف مواقف.. فهناك نفس تعلو على شقائها و تتجاوزه و ترى فيه الحكمة و العبرة و تلك نفوس مستنيرة ترى العدل و الجمال في كل شيء و تحب الخالق في كل أفعاله.. و هناك نفوس تمضغ شقاءها و تجتره و تحوله إلى حقد أسود و حسد أكال.. و تلك هي النفوس المظلمة الكافرة بخالقها المتمردة على أفعاله.
و كل نفس تمهد بموقفها لمصيرها النهائي في العالم الآخر.. حيث يكون الشقاء الحقيقي.. أو السعادة الحقيقية.. فأهل الرضا إلى النعيم و أهل الحقد إلى الجحيم.
أما الدنيا فليس فيها نعيم و لا جحيم إلا بحكم الظاهر فقط بينما في الحقيقة تتساوى الكؤوس التي يتجرعها الكل.. و الكل في تعب.
إنما الدنيا امتحان لإبراز المواقف.. فما اختلفت النفوس إلا بمواقفها و ما تفاضلت إلا بمواقفها.
و ليس بالشقاء و النعيم اختلفت و لا بالحظوظ المتفاوتة تفاضلت و لا بما يبدو على الوجوه من ضحك و بكاء تنوعت. فذلك هو المسرح الظاهر الخادع.
و تلك هي لبسة الديكور و الثياب التنكرية التي يرتديها الأبطال حيث يبدو أحدنا ملكا والآخر صعلوكا و حيث يتفاوت أمامنا المتخم و المحروم.
أما وراء الكواليس. أما على مسرح القلوب. أما في كوامن الأسرار و على مسرح الحق و الحقيقة..
فلا يوجد ظالم و لا مظلوم و لا متخم و لا محروم.. و إنما عدل مطلق و استحقاق نزيه يجري على سنن ثابتة لا تتخلف حيث يمد الله يد السلوى الخفية، يحنو بها على المحروم
و ينير بها ضمائر العميان، و يلاطف أهل المسكنة، و يؤنس الأيتام و المتوحدين في الخلوات، و يعوض الصابرين حلاوة في قلوبهم..
ثم يميل بيد القبض و الخفض، فيطمس على بصائر المترفين، و يوهن قلوب المتخمين
و يؤرق عيون الظالمين، و يرهل أبدان المسرفين..
و تلك هي الرياح الخفية المنذرة التي تهب من الجحيم و النسمات المبشرة التي تأتي من الجنة.. و المقدمات التي تسبق اليوم الموعود.. يوم تنكشف الأستار و تهتك الحجب و تفترق المصائر إلى شقاء حق و إلى نعيم حق.. يوم لا تنفع معذرة.. و لا تجدي تذكرة.
و أهل الحكمة في راحة لأنهم أدركوا هذا بعقولهم و أهل الله في راحة لأنهم أسلموا إلى الله في ثقة و قبلوا ما يجريه عليهم و رأوا في أفعاله عدلا مطلقا دون ن يتعبوا عقولهم فأراحو عقولهم أيضا، فجمعوا لأنفسهم بين الراحتين راحة القلب و راحة العقل فأثمرت الراحتان راحة ثالثة هي راحة البدن..
بينما شقى أصحاب العقول بمجادلاتهم.
أما أهل الغفلة و هم الأغلبية الغالبة فمازالوا يقتل بعضهم بعضا من أجل اللقمة و المرأة و الدرهم و فدان الأرض، ثم لا يجمعون شيئا إلا مزيدا من الهموم و أحمالا من الخطايا
و ظمأً لا يرتوي و جوعا لا يشبع.
فانظر من أي طائفة من هؤلاء أنت.. و اغلق عليك بابك و ابك على خطيئتك.

من أقوال مُصطَفى مَحمود،

- من مساهمات زوار الموقع.

حُرِرَت من قِبل في الأربعاء، 24 تشرين الثاني 2010
--------

تَقَلُّبُ الزمان بأهله

كان للنعمان بن المنذر بن ماء السماء وهو النعمانُ الأصغر الذي قَتَلَهُ أبرويز تحتَ أرجُلِ الفيلة -  قبل مبعث النبي ﷺ بسنتين، و وَلّى مكانه إياس بن قبيصة -  بنتان قد ترهبتا: هندٌ صاحبةُ دِير هند بنت النعمان بظاهر الكوفة، والحرقة؛ وحين فتح خالد ابن الوليد عين التمر، سأل عن الحرقة، فأتاها وسألها عن حالها فقالت: لقد طَلَعَتْ علينا الشمسُ وما مِن شيءٍ يَدُبُّ حولَ الخورنق (والخورنق هو من أعظم قصور النعمان بن المنذر) إلا تحت أيدينا، ثُمَّ غَرُبَت وقد رحمنا كل مَن يدور به، وما مِن بيتٍ دخلته حبرة (أي فرح) إلادخلته عَبرة؛ وأنشأت تقول:
بينا نَسوسُ الناسَ والأمرُ أمرُنا -- إذا نَحنُ مِنهم سوقه نَتنصف
فأُفٍ لدُنيا لا يَدومُ نعيمها -- تقلب تيارات بنا وتصرف
وأتت سعد بن أبي وقاص في جوار لها، فقال: سعد قاتل الله عدي بن زيد كأنه ينظر إليها حيث يقول:
إن للدهر صرعة فاحذرنها -- لا تبيتن قد أمنت الشرورا
قد يبيت الفتى معافى فيردى -- ولقد كان آمناً مسروراً
ثم أكرمها وأحسن جائزتها؛ فلما قامت، قالت: أُحَييكَ تَحيَّةَ أملاكنا بعضهم بعضا (أي تحية الملوكِ لبعضهم) : لا جعل الله لكَ إلى لَئيمٍ حاجة، ولانَزَعَ عَن عبد صالح نعمة إلا جعلكَ سبباً لِرَدِّها عليه، فلقيها النساء وقلن: ما فعل بك الأمير؟ فقالت:
حاطَ لي ذِمَّتي وأكرَمَ وجهي -- إنّما يُكرِمُ الكَريمُ الكريما

- من كتاب ربيعُ الأبرارللزمخشري.

حُرِرَت من قِبل في الأربعاء، 15 كانون الأول 2010
--------

ترك المُلك وتعبَّد معهم !

قال عون بن عبد الله بن عتبة : بنى ملكٌ مِمن كان قبلنا مدينة، فتنوق في بنائها ( تَنَوّق، أي: تأنق في الصنعة وجودها ) ثُمّ صنع طعاما ودعا الناس إليه وأقعد على أبوابها ناساً يسألون كل من خرج، هل رأيتم عيباً ؟ فيقولون : لا، حتى جاء في آخر الناس قومٌ عليهم أكسية، فسألوهم : هل رأيتم عيباً ؟
فقالوا : نعم ، فأدخلوهم على الملك ، فقال : هل رأيتم عيباً ؟
فقالوا : نعم ، قال : وما هو ؟
قالوا : تخرب، ويموت صاحبها !
قال : أفتعلمون دار لا تخرب ولا يموت صاحبها ؟ (أي أنه تعجب من رأيهم، فلا يوجد دار لا تخرب ولا يموت صاحبها)
قالوا : نعم ، فدعوه، (قصدوا الدار الآخرة، ودعوه للإيمان بالله) فاستجاب لهم، وانخلع من مُلكِهِ، وتَعَبَّدَ معهم!

حُرِرَت من قِبل في الخميس، 16 كانون الأول 2010
--------