قِصّة

260 مقولة

الفضـل لمـن سبـق

جَرى بين محمد بن الحنفية وأخيهِ الحسنُ بن علي رَضيَّ الله عنهما جَفوَة، فانصرفا مُتغاضِبين، فلمّا وَصلَ محمد إلى بيتِه، أخذَ ورقةً وكَتَبَ فيها.‏ ‏ بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد بن علي بن أبي طالب، إلى أخيه الحسن بن علي بن أبي طالب، أما بعد.‏ ‏ فإنَّ لك شرفاً لا أبلُغه، وفَضلاً لا أُدرِكُه، فإذا قرأتَ رُقعتي هذه (أي رِسالتي)، فالبس رداءَك ونَعليكَ، وسِر إليّ فترضَّني (أي اطلب رضاي وعفوي عما جرى بيننا)، وإياكَ أنْ أكونَ سابِقُكَ إلى الفضلِ الذي أنتَ أولى به مِنّي. والسلام.‏ ‏ فلما قرأَ الحسَنُ الرقعةَ، لَبِسَ رِداءَهُ ونَعليهِ، ثُمَّ جاء إلى أخيه محمد فترضَّاه. ‏

حُرِرَت من قِبل في الأربعاء، 10 تشرين الثاني 2010
--------

العز بن عبد السلام يبيع الأمراء

وَلِيَ قضاءَ مصر بعد ابن عين الدولة الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام. وكان قد قدم من دمشق بسبب أن سلطانها الصالح إسماعيل استعان بالفرنج وأعطاهم مدينة صَيْدا وقلعة الشقيف، فأنكر الشيخ عز الدين ذلك، وترك الدعاء له في الخطبة، فغضب السلطان منه، فخرج إلى الديار المصرية. فأرسل السلطان وراءه وهو في الطريق قاصدًا يتلطّف به في العودة إلى دمشق. فاجتمع الرسول به ولاينه وقال له: ‏ ‏ ما نريد منك شيئا إلا أن تقبّل يد السلطان لا غير. ‏ ‏ فقال الشيخ له: ‏ ‏ يا مسكين، أنا ما أرضاه يقبّل يدي فضلا عن أن أقبِّل يده! يا قوم، أنتم في وادٍ وأنا في وادٍ! والحمد لله الذي عافانا مما ابتلاكم! ‏ ‏ فلما وصل إلى مصر، تلقاه سلطانها الصالح أيوب وأكرمه، وولاّه قضاء مصر فلما تولاه تصدى لبيع أمراء الدولة من الأتراك، وذكر أنه لم يثبت عنده أنهم أحرار وأن حكم الرّقّ مستصحب عليهم لبيت مال المسلمين. فبلغهم ذلك فعظم الخطب عندهم، والشيخ مصمم لا يصحح لهم بيعًا ولا شراء ولا نكاحًا. وتعطلت مصالحهم لذلك، وكان من جملتهم نائب السلطنة، فاستثار غضبا. فاجتمعوا وأرسلوا إليه، فقال: ‏ ‏ نعقد لكم مجلسا لبيعكم، وننادي عليكم لبيت مال المسلمين. ‏ ‏ فرفعوا الأمر إلى السلطان، فبعث إليه فلم يرجع عن رأيه، وأرسل إليه نائب السلطنة بالملاطفة، فلم يفد ذلك. فانزعج النائب وقال: ‏ ‏ كيف ينادي علينا هذا الشيخ ويبيعنا ونحن ملوك الأرض؟! والله لأضربنّه بسيفي هذا! ‏ ‏ وركب بنفسه في جماعته، وجاء إلى بيت الشيخ والسيف مسلول في يده. فطرق الباب. فخرج ولد الشيخ فرأى من نائب السلطنة ما رأى فعاد إلى أبيه وشرح له الحال، فما اكترث لذلك وقال: ‏ ‏ يا ولدي أبوك أقل من أن يقتل في سبيل الله! ‏ ‏ ثم خرج. فحين وقع بصره على النائب سقط السيف من يد النائب وأرعدت مفاصله. ثم إذا به يبكي ويسأل الشيخ أن يدعو له، وقال: ‏ ‏ يا سيدي ايش تعمل؟ ‏ ‏ فقال القاضي: أنادي عليكم فأبيعكم. ‏ ‏ قال النائب: ففيم تصرف ثمننا؟ ‏ ‏ قال: في مصالح المسلمين. ‏ ‏ وتمّ له ما أراد، ونادى على الأمراء واحدًا واحدًا وباعهم بالثمن الوافي، وصرفه في وجوه الخير!

حُرِرَت من قِبل في الأحد، 17 تشرين الأول 2010
--------

الكلـب والثعلـب

كان سفيان الثوري يقول: ‏ ‏ ما رأيتُ الزهد في شيء أقلَّ منه في الرئاسة، ترى الرجلَ يزهد في المطعم والمشرب والمال والثياب، فإن نوزع الرئاسة تمسّك بها وعادى الناس.‏ ‏ حدّث عطاء بن مسلم قال:‏ ‏ لما تولّى المهدي الخلافة بعث إلى سفيان الثوري. فلما دخل عليه، خلع المهدي خاتمه فرمى به إليه وقال: ‏ ‏ يا أبا عبد الله! هذا خاتمي، فاعمل في هذه الأمة بالكتاب والسُّنة.‏ ‏ فردّ سفيان الخاتم وقال:‏ ‏ تأذن في الكلام يا أمير المؤمنين؟‏ ‏ قال: نعم.‏ ‏ قال: لا تبعث إليّ حتى آتيك، ولا تعطني حتى أسألك.‏ ‏ فغضب المهديّ غضبا شديدا وصرفه. فلما خرج سفيان حفَّ به أصحابه فقالوا:‏ ‏ ما منعك وقد أمرك أن تعمل في الأمة بالكتاب والسُّنة؟‏ ‏ قال:‏ ‏ إني لا أخاف إهانة الأمراء لي، وإنما أخاف إكرامهم لي حتى لا أرى سيئاتهم سيئات. ولم أَرَ للعلماء والسلاطين مثلاً إلا مثلاً ضُرِب على لسان الثعلب، قال: عرفتُ نيفا وسبعين حيلة للتخلص من الكلب، ليس منها حيلة أفضل من أن لا أرى الكلب ولا يراني! ‏

- من كتاب "سير أعلام النبلاء" للذهبي.

حُرِرَت من قِبل في الجمعة، 05 تشرين الثاني 2010
--------

تجارة عُثمان مع الله

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:‏ ‏ حدث في خلافة أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، أن أصاب الناس قحط، فلما اشتد بهم الأمر. ذهبوا إلى الخليفة، وقالوا له:‏ ‏ (يا خليفة رسول الله، إن السماء لم تمطر، والأرض لم تنبت وقد توقع الناس الهلاك. فماذا نصنع؟).‏ ‏ فقال لهم:‏ ‏ انصرفوا واصبروا، فإني أرجو ألا تمسوا حتى يفرّج الله عنكم فلما كان آخر النهار، وردت الأنباء بأن عيراً لعثمان بن عفان، قد قدمت من الشام، وتصبح بالمدينة. فلما جاءت، خرج الناس يتلقونها، فإذا هي ألف بعير موسوقة بـُرّا وزيتاً وزبيباً، فأناخت بباب عثمان، فلما جعل أحمالها في داره، جاءه التجار، فقال لهم: ماذا تريدون؟‏ ‏ فقالوا: إنك لتعلم ما نريد. بعنا من هذا الذي وصل إليك، فإنك تعلم حاجة الناس إليه.‏ ‏ فقال عثمان: "حبّا وكرامة" كم تربحونني على شرائي؟‏ ‏ قالوا: الدرهم درهمين.‏ ‏ قال: أُعطيت زيادة على هذا.‏ ‏ قالوا: أربعة.‏ ‏ قال: أعطيت أكثر.‏ ‏ قالوا: نربحك خمسة.‏ ‏ قال: أعطيت أكثر.‏ ‏ فقالوا: ما في المدينة تجار غيرنا، وما سبقنا أحد إليك، فمن الذي أعطاك أكثر مما أعطينا؟‏ ‏ قال: إن الله أعطاني بكل درهم عشرة. فهل عندكم زيادة؟‏ ‏ قالوا: لا.‏ ‏ قال: فإني أشهد الله، أني جعلت ما حملت هذه العير صدقة لله على المساكين وفقراء المسلمين، ثم أخذ يُفرق بضاعته، فما بقي من فقراء المدينة أحد إلا أخذ ما يكفيه وأهله. ‏

حُرِرَت من قِبل في الأحد، 17 تشرين الأول 2010
--------

غاية الكرم والجود

يُنقَلُ في أحوالِ مَعَنِ بن زائِدةٍ أنَّهُ كانَ كَريماً فَعَن إبن أبي حَفصَةَ الشاعِر قال: أخبرني معن بن زائدة، أنَّهُ  ‏ لمَّا انتَقَلتِ الدَّولَةُ إلى بني العباس،  جَدَّ المَنصورُ في طَلبي و جَعَلَ لِمَن يَحمِلُني إليهِ مَالاً؛ قال: فاضُطرِرتُ لِشَدَّةِ الطَلَبِ إلى أَن أتَعَرَّضَ للشّمسِ حتى لَوَّحَت وَجهي، و خَفقَّت عارضي ولَبِستُ جُبَّةَ صُوفٍ، و رَكِبتُ جَملاً و خَرَجتُ مُتَوَجِّهاً إلى البادِيةِ لأُقيمَ بِها، قال: فَلَّما خَرجتُ مِن بِابِ حَربٍ وهوُ أَحدُ أَبوابِ بَغدادَ، تَبعنَي أسودٌ مُتَقَلِّدٌ بِسَيف، حَتَّى إذا غِبتُ عِن الحَرَسِ قَبَضَ على خِطامِ الجَمَلِ فأَناخَهُ، و قَبَضَ على يَدي، فقلتُ له: ما بِك؟ فقال: أنتَ طُلبةُ أميرِ المؤمنين؟ فقلتُ: ومن أنا حتى أُطلَب؟ فقال: أنتَ مَعَنُ بن زائدةَ، فقُلت لهُ: يا هذا اتقِ اللهَ ، وأينَ أنا مِن مَعَن؟ فقال: دَع عَنكَ هذا، فواللهِ إنِّي لأعرَفُ بِكَ مِنكَ، فَلَّما رأيتُ مِنهُ الجِدَّ قُلت له: يا هذا، هذا جَوهَرٌ قَد حَملتُهُ مَعي بأَضعاف ما جَعَلَهُ المَنصورُ لِمن يجيئهُ بي، فَخُذهُ ولا تَكُن سَبباً في سَفكِ دَمي، قال: هاتِه، فأخرَجتُهُ إليهِ، فَنَظرَ فيهِ سَاعةً وقال: صَدقت في قيمَته، ولستُ قابلهُ حتى أسألكَ عَن شيءٍ، فإن صَدقتَني أطلَقتُك، فقلت: قُل، قال: إنَّ النَّاسَ قَد وَصَفوكَ بالجودِ، فأخبِرني هل وهبتَ مَالكَ كُلَّهُ قَط؟ قلت: لا، قال فَنِصفَهُ، قلت: لا، قال: فَثُلثهُ؟ قلت: لا، حَتَّى بَلَغَ العُشر، فاستَحييتُ وقلتُ: أَظنُّ أني قَد فعلتُ هذا، قال: ما ذاك بعظيمٍ، أنا واللِه راجلٌ - أي ليس عندي ركوبة- ورِزقي مِن أبى جَعفَرَ المَنصورِ كُلُّ شَهرٍ عِشرونَ دِرهماً، وهذا الجَوهَرُ قيمَتُهُ ألوفُ الدَنانيرِ، وقَد وَهبتُهُ لكَ و وَهَبتُكَ لِنَفسِكَ و لِجودِكَ المأثورِ بينّ النَّاسِ، ولِتَعلمَ أَنَّ في هذهِ الدُنيا مَن هُوَ أجوَدُ مِنكَ، فَلا تُعجِبكَ نَفسُكَ، ولِتَحقِرَ بَعدَ هذا كَُّل جُودٍ فَعلَتهُ ولا تتوقف عَن مَكرُمَة، ثُمَّ رَمى العِقدَ في حِجري وتَرَكَ خِطامَ الجَمَلِ و وَلّى مُنصَرِفاً.  ‏ ‏ فقلت: ‏ ‏ يا هذا، قد واللّه فضحتني، ولَسَفْكُ دمي أهونُ عليّ مما فعلتَ. فخذ ما دفعتُه لك فإني غنيّ عنه. ‏ ‏ فضحك وقال: ‏ ‏ أردتَ أن تكذبني في مقالي هذا؟ واللّه لا أخذتُه ولا آخذ لمعروف ثمنًا أبدًا. ‏ ‏ ومضى سبيله. ‏ ‏ فواللّه لقد طلبتُه بعد أن أمنت ووليت بلاد اليمن، وبذلت لمن يجيء به ما شاء، فما عرفتُ له خبرًا، وكأنّ الأرضَ ابتلعته.

حُرِرَت من قِبل في الأحد، 17 تشرين الأول 2010
--------