أبو العيناء وغلامه!!

حدّث أبو العيناء قال : كان سبب خروجي من البصرة وانتقالي عنها أنني مررت يوماً بسوق النخـّاسين ، فرأيتُ غلاماً يـُنادَى عليه وقد بلغ ثلاثين ديناراً ، فاشتريته. وكنت أبني داراً ، فدفعتُ إليه عشرين ديناراً على أن ينفقها على الصُنّاع ، فجاءني بعد أيام يسيرة فقال : قد نفدت النفقة. فقلت : هاتِ حسابك!! فرفع حساباً بعشرة دنانير. قلت : أين الباقي ؟!! قال : قد اشتريت به لنفسي ثوباً. قلت : من أمرك بهذا ؟!! قال : لا تعجل يا مولاي ، فإن أهل المُروءةِ لا يعيبون على غلمانهم إذا فعلوا فعلاً يعود بالزَّين على مَواليهم ، فقلت في نفسي : أنا اشتريت الأصمعيّ ولمْ أَعلم!! وكانت هناك امرأة أردّتُ أن أتزوجها سِرّا من ابنة عمي. فقلت له يوماً : أفيكَ خير ؟!! قال : إي لعَمري. فأطلعته على الخبر. فقال : أنا نـِعم العـَون لك. فتزوجتُ المرأة ودفعتُ إليه ديناراً ، وقلت له : اشترِ لنا به بعض السمك الهَازبي. فمضى ورجع وقد اشترى سمكاً من صَنفٍ آخر. فغاظني ذلك وقلت : ألم آمرك أن تشتري من السمك الهازبي ؟!! قال : بلى ، ولكن الطبيب أبقراط كتب يقول إن الهازبي يُولـِّد السوداء ، وهذا سمك أقل غائلة!! فقلت : يا ابن الفاعلة!! أنا لم أعلم أني اشتريت جالينوس!! وقمتُ عليه فضربته عشر مقارع. فلمّا فرغتُ من ضربه أخذني وأخذ المقرعة وضربني سبع مقارع ، وقال : يا مولاي ، الأدب ثلاث ، والسـَّبـْعُ فضل ، وذلك قِصاص!! ، فضربتك هذه السـَّبع خوفاً من القصَاص يوم القيامة!! فغاظني هذا ، فرميته بحجرٍ فشَججتـُه ، فمضى من وقته إلى ابنة عمي ، فقال لها : يا مولاتي ، إن الدِّين النصيحة ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " مـَنْ غـَشـَّنا فليس منا " . وأنا أُعـْلمُك أن مولاي قد تزوج فاستكتمني ، فلمّا قلت له لا بُدّ من تعريف مولاتي الخبر ضربني وشجـّني . فمنعتني بنت عمي من دخول الدار ، وحالت بيني وبين ما فيها ، فلم أرَ الأمر يصلُحُ إلا بأن طلّقتُ المرأة التي تزوجتها. وقلت في نفسي : أعتقه وأستريح ، فلعلّهُ يمضي عني. فلمّا أعتقته لزِمَني وقال : الآن وجبَ حقـُّك عليّ. ثم إنه أراد الحج ، فجهـّزته وزوّدته وخرج. فغاب عني عشرين يوماً ورجع. فقلت له : لـِمَ رجعت ؟!! فقال : فكّرت وأنا في الطريق فإذا الله تعالى يقول : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } ، وكنتُ غير مُستطيع ، وفكرت فإذا حقك أوجب ، فرجعت!! ثم إنه أراد الغزو للجهاد ، فجهّزته ، فلمّا غاب عني بِعتُ كل ما أملك بالبصرة من عقارٍ وغيره ، وخرجت عنها خوفاً من أن يرجع!!

من كتاب ( المنتظم في تاريخ الملوك والأمم ) لـ " جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي " ( المتوفى : 597هـ )

لا تنسوا عبدالله " ياقوت " من صالح الدعاء .
تابعوني على فيسبوك : ياقوت هداه الله

حُرِرَت من قِبل في السبت، 11 تموز 2015

رائع

أحسن الله إليك فى نقلك لهذا أخى ...