أدهم الزاهد وتفاحة البستان

يذكر أن أدهم الزاهد مرّ ذات يوم ببساتين مدينة بخارى وتوضأ من بعض الأنهار التي تتخللها فإذا بتفاحة يحملها ماء النّهر ، فقال : هذه لا خطر لها فأكلها ، ثم وقع في خاطره من ذلك وسواس ، فعزم على أن يستحلّ من صاحب البستان ، فقرع باب البستان فخرجت إليه جارية ، فقال لها : ادعي لي صاحب المنزل!! فقالت : إنه لامرأة ، فقال : استأذني لي عليها ففعلت ، فأخبر المرأة بخبر التّفاحة ، فقالت له : ان هذا البستان ، نصفه لي ونصفه للسلطان ، والسلطان يومئذ ببلخ ، وهي مسيرة عشرة من بخارى ، وأحلته المرأة من نصفها وذهب إلى بلخ فاعترض السلطان في موكبه ، فأخبره الخبر واستحله ، فأمره أن يعود اليه من الغد .

وكان للسلطان بنت بارعة الجمال قد خطبها أبناء الملوك فتمنّعت وحبّبت إليها العبادة وحب الصالحين ، وهي تحب أن تتزوج من ورعٍ زاهد في الدنيا فلما عاد السلطان إلى منزله أخبر ابنته بخبر أدهم ، وقال : ما رأيت أورع من هذا ، يأتي من بخاري إلى بلخ لاجل نصف تفاحة!! فرغبت في تزوجه ، فلما أتاه من الغد قال : لا احلك إلا أن تتزوج ببنتي ، فانقاد لذلك بعد استعصاء وتمنع ، فتزوج منها فلما دخل عليها وجدها متزينة ، والبيت مزين بالفرش وسواها ، فعمد إلى ناحية من البيت ، وأقبل على صلاته حتى أصبح ، ولم يزل كذلك سبع ليال .
وكان السلطان ما أحلّه قبل ، فبعث اليه أن يحله ، فقال : لا أحلك حتى يقع اجتماعك بزوجتك ، فلمّا كان الليل واقعها ، ثم اغتسل ، وأقام إلى الصلاة ، فصاح صيحة وسجد في مصلاه فوجد ميتا رحمه الله . وحملت منه ، فولدت إبراهيم ، ولم يكن لجده ولد فأسند الملك إليه .
وكان من تخلّيه عن الملك ما اشتهر ، وعلى قبر ابراهيم بن أدهم زاوية حسنة فيها بركة ماء وبها الطعام للصادر والوارد ، وخادمها ابراهيم الجمحى من كبار الصالحين ، والناس يقصدون هذه الزاوية ليلة النصف من شعبان من سائر أقطار الشام ويقيمون بها ثلاثا ويقوم بها خارج المدينة سوق عظيم فيه من كل شيء ويقدم الفقراء المتجردون من الآفاق لحضور هذا الموسم وكل من يأتي من الزوار لهذه التربة يعطي لخادمها شمعة فيجتمع من ذلك قناطير كثيرة . وأكثر أهل هذه السواحل هم من النّصيرية الذين يعتقدون أن علي بن أبي طالب إلاه!! وهم لا يصلون ولا يتطهرون ولا يصومون ، وكان الملك الظاهر ألزمهم بناء المساجد بقراهم فبنوا بكل قرية مسجدا بعيدا عن العمارة ولا يدخلونه ولا يعمّرونه وربما أوت اليه مواشيهم ودوابهم!! وربما وصل الغريب اليهم فينزل بالمسجد ، ويؤذن للصلاة ، فيقولون له : لا تنهق!! علفك يأتيك!! وعددهم كثير .


من كتاب " تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار " ( رحلة ابن بطوطة ) المجلد الأول / فصل الشام وفلسطين ( 1 / 290 )

لا تنسوا عبدالله " ياقوت " من صالح الدعاء .

حُرِرَت من قِبل في الأحد، 10 أيار 2015

لا يوجد تعليقات، كُن أول من يكتب تعليقاً..
الرجاء تسجيل الدخول للتعليق