إقرأني لوحةً لوحة

الوسائط:

وصَلَ إلى البيتِ مُنهَكاً من اﻷلمِ، يَكتُمُ صراخاً يَضجُّ بِه صَدرُهُ ، هَل انتَهى كُلُّ شَيءٍ حَقاً! وَقَفَ في المدخلِ قِبالةَ دَرجِ الطابقِ العُلويِّ مُستَرجِعاً مَشهداً كان يَتكرَّرُ مِراراً كُلما دخلَ إلى المنزلِ مُعلِناً وصولَهُ برنّاتٍ ثلاثٍ مُتتالياتٍ على جرسِ البابِ.

كان يراها عِندَ سُفرَةِ الدَّرج تُطلُّ عَليهِ بَاسِمَةً ، تَقفُ هُنيهَةً ثُمَّ تَدرُجُ باتجاههِ و ريشَتُها ما تزالُ في يدهِا و أثرُ اﻷلوانِ يُزيّن مَريلتَها، فتلقاهُ و يلقاها بِلهفَةٍ و شَوقٍ ما جَفَّ أو وَهن يوماً طِوالَ سَنواتِ زواجِهِما الاثنتي عشرة، صَعدَ الدرج بِخطىً مُتعبةٍ و دَلفَ إلى الغرفةِ الجانبيةِ التي حَوَّلَتها مُنذُ سَنتَين إلى مَرسمٍ بَعدَ أن كانت مُنذُ أثّثا المنزلَ غُرفةً لِطفلٍ لم يُقَدّرُ لهُ الوجودُ ، كان عِطرُها ما زالَ يَنسَلُّ من أشياءِ المكانِ مُختلطاً بِعبَقِ اﻷلوانِ الزَّيتيةِ.
 
وقفَ عِندَ اللوحةِ اﻷخيرةِ التي ما زالت معلقةً على حاملِ اللوحاتِ ، و التي بها كان قد اكتملَ مشروعُ معرضِها اﻷول ، كانت باقي اللوحات معلّقة على حيطانِ الغرفةِ بعشوائيةٍ مقصودةٍ ، وقعَ نظرهُ على الشريطِ اﻷحمرِ المقصوصِ عندَ مَدخَلِ البابِ و ابتسمَ بألمٍ .

بالأمس قادَتهُ إلى الغرفةِ مُغمضَ العينين ووضعَت المِقصَّ بيدَهِ ، و باليدِ اﻷخُرى ناوَلَتهُ الشريطَ قائلةً: غداً تُنقلُ اللوحات إلى قاعةِ العرضِ لكن هُنا أعرِضُها لكَ وَحدَكَ ، فادخل يا زائري اﻷهم مُفتتحاً معرضي اﻷول بَعدَ أن افتتحتَ قلبي و سكنتَ فيه للأبد ،
 
أُدخل.. أُدخل و امنن على لوحاتي  من بريقِ عينيكَ لتصيرَ أجمل ، و قبلَ أن تَرفعَ يديَها عَن عينيهِ التي كانت تَبرقُ فَرحاً بِكلماتِها الشَغوفةِ ، طَبعَ قُبلةً على كفّيها ثُمَّ تَركها تَقودُهُ ناحيةَ اليمينِ قائلةً: ابدأ بهذهِ اللوحةِ فَهي الباكورةُ ، مِن هنا تبدأُ الحكايةُ ،
اقرأني لوحةً لوحة.

كانت اللوحةُ اﻷولى صورةً نِصفيَّةً واضحةَ المعالمِ لامرأةٍ يَظهرُ خَلفَها ظِلُّ رَجُل ، لَمحَ في عينيها مَسحَةَ حُزنٍ ، علّقَ قائلاً: لماذا هي حزينة؟ هي ليست حزينة! ألا ترى الابتسامةَ الظاهرةَ على شفتَيها! مال برأسهِ غيرَ مقتنعٍ. ثُم انتقلَ إلى اللوحةِ التاليةِ كانت لامرأةٍ تَنامُ على أرضيةٍ مبلّلةٍ ملتفة على بعضِها كما الجنينُ في رحمِ اﻷمِّ ، كانَ ظِلُّ الرُجلِ يَظهرُ ضبابياً ، أمعنَ النظرَ في اللوحةِ ثمّ ارتدّ إليها بنظرةٍ عميقةٍ  ، فبادَرتهُ قائلةً : هل أعجبتك؟ رفعَ حاجبيهِ تَعجُباً و لَم يُجب!!

و انتقلَ بِملامحَ مُتَغَيَّرةً إلى اللوحةِ الثالثةِ، كانت صورةً كاملةً لرجلٍ بِملامحَ جَامدةٍ يَقِفُ مكتوفَ اليدينِ و في طَرَفِ الصُورَةِ تَمتَدُّ إلى أقصاها يد امرأةٍ باتجاهِ الرَّجُلِ ، بدا الوجومُ على وجهِهِ و سألها بِنظرةٍ مُتغيرةٍ: ماذا تستجدي المرأةُ من الرجلِ و هو مستنكفٌ و متكتّفٌ!! ردّت مستنكرةً : إنها لا تستجديهِ بَل تبثهُ شَوقُها و هو الحبيبُ الذي عَرفَ مكانهُ فتدلّل.

تَركَها و تَابعَ جَولَتهُ على اللوحات فيما  وقفت مكانَها تُفكّر في تعليقاتهِ مُستغربةً عدمَ فهمِهِ قَصدَها و هو الحبيبُ اللبيبُ الذي يَفهمُ عادةً دونَ أن تتكلّمَ أو حتى تشير ، يكفي أن تشعرَ فيَشعُر ، و بينما هي مسترسلةٌ بأفكارهِا ، انتبهت إلى صرخةٍ خرجت من أعماقهِ : كيفَ لم أفهم ! كيفَ كُنتُ غافلاً إلى هذه الدرجة ! كَيف !!

أصابها الجَزَع و اقتربت منهُ تحاولُ إحاطتهُ بذراعيها ، فانتفضَ من بينِ يديها كطيرٍ جريحٍ ، صرخت باكيةً: باللهِ عليكَ ماذا جرى!! أنظري إلى كلِّ هذه اللوحات ، أتعرفينَ عُنوانُها الرئيسُ !! إنه الحرمان ، الحرمانُ و لا شيءٌ سِواه..

صُدِمَت و صَرَخت  صَرخَةً مَكتومَةً ، تابعَ قائلاُ : نَعم لَم أقرأ في كلِّ هذه اللوحات أكثرَ من امرأةٍ محرومةٍ مِن اﻷمومةِ ، جَلسَ على اﻷرضِ مكسورَ الفؤادِ مُنهكاً و أكملَ آسف.. آسف يا حبيبتي لم أستطع رفعَ الحرمان عنكِ ، سامحيني لم أستطع مَنحَكِ الطِفلَ الذي تتمنّينَ من أعماقِ أعماقك ، جَلسَت القرفصاءَ قِبالتَهُ ، وواجهت وَجهَهُ بِدُموعِها و بِجهد قالت:
لم أقصد ذلك أبداً!! صدقني أنت عِندي أغلى من كل غالٍ ، أنت ابني و أبي و زَوجي و حَبيبُ عُمري ، قامَ مُنتفِضاً لا .. لا أتحمّلُ إيذائكِ أكثر و قبلَ أن تَفوهَ بكلمةٍ غادرَ مُسرِعاً.


و ها هو يَعودُ إلى الَمرسمِ الذي باتَ شاهِداً على نِهايةِ قِصَّةِ حُبٌ استثنائيةٍ ، تُوّجَت بِطلاقٍ مَنحَها إياهُ و مَعَهُ مَنحَها فُرصةَ أن تُحقِقَ رَغبَةً دَفينَةً هي نَفسُها لَم تَكن تَعلمُ بأنها ما ماتَت أبداً.
 
ملاحظة : إقرأني لوحةً لوحة ، قصةٌ قصيرةٌ بصوتِ محمود الِمسَلَّمي.

حُرِرَت من قِبل في الثلاثاء، 02 تشرين الثاني 2010

لا يوجد تعليقات، كُن أول من يكتب تعليقاً..
الرجاء تسجيل الدخول للتعليق