العَوْدُ أَحْمَدُ

"‏أحمَدُ‏"‏ تعني أَفعَلُ مِن الحمد، يعني أنه إذا ابتدأ إنسانٌ بأمرٍ ما فجَلبَ الحَمدَ إلى نَفسِهِ، فإذا عاد إلى فِعله كان أحمَدَ له، أي أكسَبُ للحَمدِ له‏.‏
وأوَّلُ مَن قَال ذلك خِدَاشُ بن حابس التميمى، وكان قد أحبَّ فَتاةً مِنْ بَني سَدُوس يُقَال لها الرَّباب، وهام بها زماناً، ثم أقبل يَخطِبُها، وكان أبواها يَتَمَنَّعانِ لجمالِها وَمِيسَمِها، فردَّا خَداشاً، فأضرَبَ عنها زماناً، ثُمَّ أقبلَ ذاتَ ليلةٍ راكباً، فانتهى إلى محلتهم وهو يتغنى ويقول‏:‏
أَلا لَيْتَ شِعْرِي يا رَبَابُ مَتَى أرى -- لَنَا مِنكِ نُجْحاً أوْشفاءً فأشْتَفِي
فقد طالما عَنَّيْتنِي وَ رَدَدْتِنِي -- وأنتِ صَفِيَّي دونَ مَنْ كُنْتُ أَصْطَفِي
لَحَى الله مَنْ تسمو إلى المالِ نَفْسُهُ -- إذا كان ذا فَضْلٍ به لَيْسَ يَكْتَفِي
فَيُنْكِحُ ذَا مالٍ دَميماً مُلَوَّماً -- وَيَتْرُك حُرَّاً مِثلُهُ لَيْسَ يَصْطَفِي
فَعَرَفت الرَّبابُ مَنطِقهُ، وجَعَلتْ تَتَسَمَّعُ إليه، وحَفِظَتْ الشعر، وأرسَلَتْ إلى الرَكْبِ الذين فيهم خِداش أنْ انزلوا بِنا الليلةَ، فنزلوا، وبَعَثَتْ إلى خِداش أنْ قد عَرَفُتُ حاجَتَكَ فاغْدُ على أبي خاطِباً، ورَجَعَتْ إلى أُمِّها، فَقَالت‏:‏ يا أُمَّه، هل أُنكَحُ إلا مَنْ أهوى؟ و ألتَحِفُ إلا مَن أرضى‏؟‏ قَالت‏:‏ لا، فما ذاك‏؟‏ قَالت‏:‏ فأنكحيني خِداشاً، قَالت‏:‏ وما يَدعوكِ إلى ذلكَ مع قِلَّةِ ماله‏؟‏ قَالت‏:‏ إذا جَمعَ المالَ السِّيءُ الفَعَالِ فَقُبحاً للمالِ، فأخبَرَتْ الأمُّ أباها بذلك، فَقَال‏:‏ ألم نَكُن صَرَفْناهُ عَنّا، فما بدا له‏؟‏ فلما أصبحوا غدا عليهم خِداش فسلَّم وقَال‏:‏ العَوْدُ أحمَدُ، والمَرءُ يَرشُدُ، والوِردُ يُحمَدُ، فأرسلها مَثَلاً‏.‏ ويقَال‏:‏ أوَّلُ مَن قَال ذلك وأخذ الناسُ مِنهُ مالكُ بن نُوَيرة حين قَال‏:‏
جَزَيْنَا بني شَيْبَان أمسَ بقَرْضِهِمْ -- وَعُدْنَا بمثل البَدْءِ والعَوْدُ أَحْمَدُ
فَقَال الناس‏:‏ العَودُ أحمَدُ.

- مِن كتاب مجمع الأمثال للمَيداني (بتصرف).

حُرِرَت من قِبل في الأحد، 05 كانون الأول 2010

لا يوجد تعليقات، كُن أول من يكتب تعليقاً..
الرجاء تسجيل الدخول للتعليق