الغلام والشيخ

حديث الهيثم بن عدي عن شيخ من أهل العلم قال : كان يجلس إليّ شيخ ، فأي شيء تكلمت فيه من العلوم بكى ، حتى طال ذلك عليّ فقلت له يوماً وقد خلونا : أراك ملازماً مجلسي ثم لا تسأل عن شيء ، ولا أزال أراك باكياً فما حالك ؟!! قال : نعم يا سيدي ، كنت رجلاً أشتري الغلمان وأبيعهم لأجل الفائدة ، فوقع إليّ دفعة غلام وضئ الوجه ، كامل الخلقة ، وكان صغيراً فابتعته بثلاثمائة دينار ، وزينته وهيأته لمن يرغب في ابتياعه ، فعبر بنا ذات يوم غلام شاب حسن الوجه ، فلما رأى الغلام نزل عن دابته وقال : هذا الغلام للبيع ؟!! قلت : نعم ، فقلّب الغلام واستعرضه ، وقال له : ما اسمك وما جنسك وما الذي تُحسن أن تعمل ، فأخبره ثم قال لي : بكم هو فقلت : بألف دينار ، فغمز يد الغلام نغزة ثم انصرف ، فنظرت في يد الغلام صُرّة ، فاعتبرتها فإذا فيها مائة دينار ، فقلت له : أتعرف الرجل ؟!! فقال : لا ، فلما كان من الغد جاء ففعل كفعله بالأمس ، فلما كان في اليوم الثالث جاء ففعل كفعله في اليومين المتقدمين ، فقلت في نفسي : ما وهب هذا لهذا ثلاثمائة دينار إلا وهو يهواه ، وليس يقدر على ما ذكرته له من الثمن . فتبعته حتى عرفت مكانه ، فلما كان العشاء أمرت الغلام بلبس أفخر ثيابه وطيبته وزينته ، وقلت له : إن هذا الرجل قد صار إلينا منه مثل ثمنك ، وقد عزمت على حملك إليه فكن له طوعاً ، وأعلمني بما يجري به معه ، وصرت به إلى منزل الرجل بعد صلاة العشاء الآخرة ، فنقرت الباب نقرات ، فخرج وفتح الباب ، فلما رآنا بهت ثم استرجع وقال : ما الذي جاء بكما ؟!! فقلت : إن هذا الغلام قد قلبته على بعض ملوك البغداديين الساعة ولم ينفصل لي أمر معه ، وأخاف عليه الطائف فببته لي عندك إلى الغداة ، فقال : أدخل فبت معه إلى بكرة فقلت : لا أتمكن من ذلك فدعه عندك ، وإياك أن يخرج من بيتك وحكمك إلى أن آتيك باكراً ، وانصرفت وأويت إلى فراشي ، مفكراً في أمره ، وإذا الغلام قد أتى مذعوراً يبكي فقلت له : ما وراءك ؟!! قال لي : مات الرجل الساعة ، فقلت : ويحك وكيف كان ذلك ؟!! قال : دخلت معه فاحضر لي طعاماً فأكلت وغسلت يدي وطيبني ثم جاء فوضع إصبعه السبابة على خدي ثم قال : أشهد أنك لحسن ، وما تدعوني إليه نفسي منك لقبيح ، وما أوعد الله عليه من العقوبة أقبح وأشد ، ثم استرجع ، ثم وضع إصبعه على خدي أيضاً ثم قال : أشهد أنك لحسن ، وما وعد الله عليها من الخير والثواب أحسن وأحسن ، ثم سقط فحركته فإذا هو قد مات . قال الشيخ : فأنا أبكي على ذلك الشاب وظرفه وحسنه وعفته إلى أن أموت .


لا تنسوا عبدالله " ياقوت " من صالح الدعاء .

حُرِرَت من قِبل في السبت، 02 أيار 2015

لا يوجد تعليقات، كُن أول من يكتب تعليقاً..
الرجاء تسجيل الدخول للتعليق