النقد الأدبي ...

النقد الأدبي فنٌّ مِن فنون الأدب، وضرورةٌ من ضروراته، فيه تصحيحٌ للخطأ، وتقويم للمعوَّج، وتبيان مواطن القوَّة والضعف من الأثر الأدبي، ومن أصولٌه ومقوِّماته،اتساع الثقافة والاطِّلاع، وجَودة الذوق، ورهافة الحِسّ، والنزاهة في الحكم.

وليس النقد جديدًا، بل هو قديم مُوغِل في القِدَم، وكانت للعرب في الجاهلية أسواقٌ أدبيَّة يَفِد إليها الشعراءُ والأدباء والرواة، وتُنشَد فيها الأشعار، في جوٍّ أدبيٍّ نادر.

حُكي أنَّ النابغة الذبياني كانت تُضرَب له قُبَّة من أدم بسوق عكاظ، يجتمع إليه فيها الشعراءُ، فدخل إليه حسَّان بنُ ثابت وعنده الأعشى، وقد أنشدَه شِعره، وأنشدته الخنساء قولها:
قَذًى بِعَينَيكَ أَم بِالعَينِ عُوَّارُ -- أَم ذَرَّفَت إِذ خَلَت مِن أَهلِهَا الدَّارُ

حتى انتهت إلى قولها:
وَإِنَّ صَخرًا لَتَأْتَمُّ الهُدَاةُ بِهِ -- كَأَنَّهُ عَلَمٌ فِي رَأْسِهِ نَارُ
وَإِنَّ صَخرًا لَمَولاَنَا وَسَيِّدُنَا -- وَإِنَّ صَخرًا إِذَا نَشتُو لَنَحَّارُ

 فقال: لولا أنَّ أبا بصير أنشدَني قَبلَك لقلتُ: إنَّكِ أشعر الناس، أنتِ والله أشعرُ مِن كلِّ أُنثى، قالت: والله مِن كلِّ رجل، فقال حسَّان: أنا والله أشعر منكَ ومنها، قال: حيث تقول ماذا؟ قال: حيث أقول:
لَنَا الجَفَنَاتُ الغُرُّ يَلمَعنَ بِالضُّحَى -- وَأَسيَافُنَا يَقطُرنَ مِن نَجدَةٍ دَمَا
وَلَدنَا بَنِي العَنقَاءِ وَابنَي مَحَرَّقٍ -- فَأَكرِم بِنَا خَالاً وَأَكرِمِ بِنَا ابنَمَا

فقال: إنك شاعر: لولا أنَّك قلتَ: الجفنات، فقلَّلت العدد، ولو قلت: الجِفان لكان أكثرَ، وقلت: يلمعن في الضحى، ولو قلت: يبرقن بالدُّجى لكان أبلغ في المديح؛ لأنَّ الضيف باللَّيل أكثرُ طروقًا.

 وقلتَ: يقطرن من نجدة دمًا، فدلَّلت على قلَّة القتل، ولو قلت: يجرين لكان أكثرَ لانصبابِ الدم، وفخرتَ بما ولدت، ولم تفخر بمن وَلَدَك، فقام حسَّان منكسرًا منقطعًا.

حُرِرَت من قِبل في الثلاثاء، 11 تشرين الأول 2011

لا يوجد تعليقات، كُن أول من يكتب تعليقاً..
الرجاء تسجيل الدخول للتعليق