سليمان بن عبدالملك وعمر بن عبدالعزيز

كان لسليمانَ بن عبدالملك أبنٌ يقال له أيوب بن سليمان ، فعقد له ولاية العهد من بعده ، ثم إن أيوبَ توُفّي قبل سليمان ، ولم يبقَ لسليمان إلا ولدٌ صغير . فلما حضرته الوفاةُ أراد أن يستخلفَ ، فحضره عمر بن عبدالعزيز ورجاء بن حَيْوة ، فقال لرجاء : اعرض عليّ ولدي في القُمُص والأردية ، فعرضهم عليه ، فإذا هم صغار لا يحتملون ما لبسوا من القُمُص والأردية ، يسحبونها سحبًا . فنظر إليهم وقال : يا رجاء : " إن بَنِيّ صِبْيَةٌ صِغَارُ .. أَفْلحَ من كان له كِبار فقال له عمر بن عبد العزيز : يا أمير المؤمنين ، يقول الله تبارك وتعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اِسْم رَبّه فَصَلَّى } ثم قال : يا رجاء ، اعرض عليّ بّنيّ في السيوف ، فَقلَّدُوهم السيوف ، ثم عرضهم عليه ، فإذا هم صِغار لا يحملونها ، يجرُّونها جرَّا ، فنظر إليهم وقال : " إن بَنيّ صبْيَةٌ صَيْفيُّونْ .. أَفْلح مَنْ كانَ لَهُ رِبْعِيُّونْ " فقال له عمر : يقول الله تبارك وتعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اِسْم رَبّه فَصَلَّى } فلما لم يَرَ في ولده ما يريد حدّثَ نفسه بولاية عمر بن عبدالعزيز ، لما كان يعرفه من حَاله ، فشاور رَجَاء فيمن يعْقِد له ، فأشار عليه بعمر ، وسدّد له رأيه فيه ، فوافق ذالك سليمان ، وقال : لأعقدنَّ عقدًا لا يكون للشيطان فيه نَصيب!! . فلما اشتدَّ به وجَعُه عَهِد عهدًا لم يُطلع عليه أحدًا إلا رجاء من حَيْوَة الكندي ، استخلف فيه عمر بن عبدالعزيز ، ويزيد بن عبدالملك من بعد عمر . فدخل سعيد بن خالد مع عمر بن عبدالعزيز وبعضِ أهل بيته يعودون سليمان ، فرأوا به الموت ، فمشى عمر وسعيد بن خالد ورجاء بن حيوة ، ثم تخلّف عمر كأنه يُعالج نعليه ، حتى أدركه رَجَاء ، فقال له : يا رجاء ، إني أرى أمير المؤمنين في الموت ، ولا أحسبه إلا سيَعْهَد ، وأنا أناشدك الله إن ذكرني بشيء من ذلك إلا صددته عني!! ، وإن لم يذكرني ألَّا تذكرني له في شيء من ذالك . فقال رجاء لعمر : لقد ذهب ظنُّك مذهبًا ما كنتُ أحسبك تذهبه ، أتظنُّ بني عبدالملك يدخلونك في أمورهم ؟!! وقد كان سليمان فرغ من ذالك ولكنه أراد إخفاءّه عن عمر!! فلما احتُضِر سليمان ، واشتدَّ ما به أمر بالبيعة لمن كان في كتابه ممن عهد إليه ، فبايع الناس ولا يعلمون من في كتابه ، ثم قضى الله على سليمان بالموت ، فلما مات كتم موته رجاء بن حيوة ، ثم خرج إلى الناس فقال : إن أمير المؤمنين يأمركم بتجديد البيعة لمن كان عهدَ إليه ، وقد أصبح بحمد الله صالحًا . فقالوا : أوصلنا إلى أمير المؤمنين لننظر إليه ، ونُنَفّذَ أمره ، فدخل وأمر به فأسند بالوسائد وأقام عنده خادمًا ، وأمر بالناس فأُدخلوا عليه ، فيقفون عند الباب فيسلّمون من بعيد ، وهم يرون شخصه ، فيردّ الخادم عنه ردّ المريض وهم ينظرون إليه . ثم قال : يأمركم أمير المؤمنين أن تبايعوا لمن عهد إليه ، وتسمعوا له تـُطِيعوا فخرجوا إلى المسجد والناسُ مجتمعون : وجوهُ بني مروان وبني أمية ، وأشراف الناس ، فبايعوا ، حتى إذا رضى رَجَاء من ذالك نظر فإذا هو لا يرى عمر ، فخرج يلتمسه في المسجد حتى رآه قاصيًا ، فوقف عليه وقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته!! قُم إلى المنبر ، فقال : أنشدك الله يا رجاء ، فقال رجاء : أناشدك الله أن يضطربَ بالناس حَبْل ، فقد لقي سليمانُ رَبّه ، وقضى الله عليه بالموت . فقام عمر حتى جلس على المنبر فنعى للناس سليمان ، وفتح الكتاب ، فإذا فيه استخلاف عمر ويزيد بن عبدالملك من بعد عمر . فلما قَرَأَ ذِكْرَ عمر جَثَا هشام بن عبدالملك على ركبتيه وقال : هـاهْ!! فَسَلَّ رجلٌ من أهل الشام سيفه ، وقال : تقول لأمرٍ قد قضاه أمير المؤمنين هاهْ ؟!! فلما قرأ : " ثم يزيد بن عبدالملك من بعد عمر " قال هشام : سمعنا وأطعنا . فسمع الناس وأطاعوا ، وقاموا فبايعوا لعُمر .


لا تنسوا عبدالله " ياقوت " من صالح الدعاء .

تابعوني على فيسبوك : ياقوت الفرزدقي

حُرِرَت من قِبل في الجمعة، 05 حزيران 2015

لا يوجد تعليقات، كُن أول من يكتب تعليقاً..
الرجاء تسجيل الدخول للتعليق