شربة الماء مقابل مُلك الدُنيا

دَخَلَ ابنُ السَّماكِ يوماً، على أميرِ المؤمنين هارون الرّشيد، فوافَقَ أنْ وَجَدَهُ يَرفُعُ الماءَ إلى فَمِهِ لِيَشرب فَقال:‏ مَهلاً يا أميرَ المؤمنين. فَلمّا وَضَعَ الماءَ قال له:‏ ‏ أستَحلِفُكَ بالله تعالى، لو أنّكَ مُنِعْتَ هذه الشَربَةُ مِن الماء، فَبِكَم كُنتَ تَشتَريها؟ قال:‏ ‏ بِنصفِ مُلكي، قال:‏ ‏ اشرب هنأكَ الله، فَلمّا شرب قال:‏ ‏ أستحلفك بالله تعالى، لو أنكَ مُنِعْتَ خُروجها مِن جَوفِك بَعدَ هذا، فَبِكم كُنتَ تَشتَريَها؟ قال:‏ ‏ بِمُلكي كُلِّه. فقال:‏ ‏ يا أميرَ المؤمنين إنّ مُلكاً تَربو عليه شَربةُ ماءٍ، وتَفضُلُهُ بَولةٌ واحدة، لَخليقٌ ألا يُنافَسَ فيه، فَبكى هارونُ الرشيد، حتىّ ابتلتْ لِحيَتُه. فقال الفضلُ بن الربيع، أحدُ وزرائِه، مَهلاً يا ابن السّماك، فأميرُ المؤمنين أحقُّ مِن رجاء العاقِبة عِند الله بِعَدلِه في مُلْكِه، فقال ابن السّماك، يا أميرَ المؤمينن، إن هذا لَيسَ معكَ في قبَرِكَ غداً، فانظر لِنَفسِك، فأَنتَ بِها أخبر، وعَليها أبصَر، وأما أنت يا فضلُ، فمن حقِّ الأميرِ عَليكَ، أنْ تَكونَ يومَ القيامةِ مِن حَسناتِه، لا مِن سيئاتِه، فذلك أكفأُ ما تؤَدي بِه حَقَهُ عَليك.‏ ‏ لا شيءَ أجَلُّ مِن العافية، ولا يَدومُ مُلكٌ إلا بالعدل، ولا يَنفعُ نفساً إلا ما قَدَّمتْ، يومَ لا يَغني مَولى عن مولى شيئاً، ويومَ لا يَنفَعُ الذين ظَلموا مِعذِرَتهم. ‏

حُرِرَت من قِبل في الاثنين، 01 تشرين الثاني 2010

لا يوجد تعليقات، كُن أول من يكتب تعليقاً..
الرجاء تسجيل الدخول للتعليق