عطاء بن أبي رباح وهشام بن عبدالملك

قال عثمان بن عطاء الخراسانيّ : انطلقت مع أبي نُريد هشام بن عبدالملك فلما قَرُبنا إذا بشيخ على حمارٍ أسود عليه قميص دَنِس ، وجُبّةٍ دنِسة ، وقلنسوة لاطِئةٌ دنسة ، وركاباه من خشب ، فضحكتُ منه ، وقلت لأبي : مَن هذا الأعرابي!! قال : اسكت!! فهذا سيدُ فقهاء الحجاز عَطَاء من أبي رباح!! . فلما قرُبَ منا نزل أبي عن بغلته ، ونزل هو عن حماره ، فاعتنقا وتساءلا ، ثم عادا فركبا وانطلقا حتى وقفا على باب هشام ، فما استقرَّ بهما الجلوس حتى أذن لهما ، فلما خرج أبي قلتُ له : حدَّثني ما كان منكما . قال : لما قيل لهشام : إن عَطَاء بن أبي رباح بالباب أذِن له ، فوالله ما دخلتُ إلا بسببه . فلما رأه هشام قال : مرحبًا مرحبًا!! هَهُنا ، هَهُنا ، ولا زال يقول له : هَهُنا هَهُنا ، حتى أجلسه معه على سريره ، ومسَّ بركبته ركبته - وعنده أشرافُ الناس يتحدثون فسكتوا . فقال له : ما حاجتك يا أبا محمد ؟!! قال : يا أمير المؤمنين ، أهل الحرمين أهلُ الله وجيرانُ رسوله تُقَسَّم عليهم أرزاقهم وأعطياتهم . قال : يا غلام اكتب لأهل مكة والمدينة بعطاياهم وأزراقهم لِسنَة . ثم قال : هل من حاجة غيرها يا أبا محمد ؟!! قال : نعم ، يا أمير المؤمنين ، أهلُ الحجاز وأهلُ نجد هم أصلُ العرب ، وقادةُ الإسلام ، تردُّ فيهم فضولَ صدقاتهم . قال : نعم . يا غلام اكتب بأن تُردّ فيهم فضول صدقاتهم . هل من حاجة غيرها يا أبا محمد ؟!! قال : نعم ، يا أمير المؤمنين ، أهلُ الثغور يَرُدّون من ورائكم ، ويقاتلون عدوّكم ، تـُجرِي لهم أرزاقًا تدرّها عليهم ، فإنهم إن هلكوا ضاعت الثغور . قال : يا غلام ، اكتب بحمل أزراقهم إليهم . هل من حاجة غيرها يا أبا محمد ؟!! قال : نعم ، يا أمير المؤمنين ، أهل ذمتكم لا يُكلَّفون ما لا يطيقون ، فإن ما تجبونه منهم معونة لكم على عدوكم . قال : نعم ، يا غلام ، اكتب لأهل الذمة بألا يكلَّفوا ما لا يطيقون!! هل من حاجة غيرها يا أبا محمد ؟!! قال : نعم ، اتَّق الله في نفسك ، فإنك خُلِقتَ وحدك ، وتموت وحدك ، وتُحشر وحدك ، وتحاسَبُ وحدك ، ولا والله ما معك مِمن ترى أحد!! فأكبَّ هشام ينْكُث في الأرض ، وهو يبكي ، فقام عطاء . فلما كنا عند الباب إذا برجل قد تبعه بكيس لا أدري ما فيه ، فقال : إن أمير المؤمنين أمر لك بهذا . فقال : { وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ } ، فولله ما شرب عنده قطرة ماء .


لا تنسوا عبدالله " ياقوت " من صالح الدعاء .

تابعوني على فيسبوك : ياقوت الفرزدقي

حُرِرَت من قِبل في الخميس، 04 حزيران 2015

لا يوجد تعليقات، كُن أول من يكتب تعليقاً..
الرجاء تسجيل الدخول للتعليق