يونس الكاتب والأمير

أبو الفرج الأصفهاني : أخبرني إسماعيل بن يونس عن جرير قال يونس الكاتب : خرجت إلى الشام في خلافة هشام بن عبد الملك ومعي جاريتي عاتكة وكنت قد علمتها وهذبتها ، وأنا أقدر فيها ما أستغني به ، فلما قربنا من دمشق ، نزلت القافلة على غدير ماء ونزلت ناحية منها . فأصبت من طعام كان معي وأخرجت ركوة فيها فضلة نبيذ كان معي فشربت ، فبينا أنا في تلك الحال إذا فتى حسن الوجه والهيئة على فرس أشقر ومعه خادمان ، وعليه ثياب مذهبة فما أدري أوجهه أحسن أم ثيابه أم دابته. فسلم علي وقال أتقبل ضيفاً ؟!! فقمت وأخذت بركابه ، وتحققت أنه من أهل بيت الخلافة ودخلتني له هيبة وإجلال . وقلت : انزل يا سيدي فنزل وقال : اسقنا من شرابك فسقيته . وقال إن سهل عليك أن تغني لي صوتاً فافعل فغنيته :

" ليت شعري أأول الهرج هذا .. أم زمان من فتنة غير هرج "

فطرب واستعاده ثم قال : قل لجاريتك تغني لنا صوتاً ، فأمرتها فغنت لحني في شعر ابن هرمة
" أفاطم إن النأي يسلي ذوي الهوى .. وإن بعادي زادني بكم وجدا "

فطرب وشرب واستعاده مراراً حتى صليت العشاء الآخرة فقال لي : ما أقدمك على هذا البلد ؟!! فقلت أردت بيع جاريتي هذه قال : وكم قدرت فيها من الثمن ؟!! قلت : ما أقضي به ديني وأصلح به حالي ، فقال : يقنعك ثلاثون ألفاً!! فقلت ما أحوجني إلى فضل الله تعالى والمزيد منه قال : فيقنعك أربعون ألفاً ؟!! قلت فيها قضاء ديني وأبقى صفراً مجرداً . قال فقد أخذتها بخمسين ألف درهم ، ولك بعد ذلك جائزة وكسوة ونفقة لطريقك وأن أشركك في حالي أبداً ما بقيت ، فقلت قد بعتكها . قال : قد قبلت أفتثق بي أن أحمل إليك ذلك غداً وأحملها معي ، أم تكون عندك ؟!! فحملتني هيبته والحشمة منه على أن قلت : نعم قد وثقت بك فخذها ، بارك الله لك فيها ، فقال : لأحد خادميه : احملها على دابتك وارتدف وراءها وامض بها ، وركب فرسه وودعني ، فما هو إلا أن غاب عني حتى عرفت موضع خطأي وغلطي وقلت : ماذا صنعت بنفسي وجنيت عليها ؟!! أسلمت جارية إلى رجل لا أعرفه ولا أدري من هو ولا ما اسمه ونسبه ، ولا من أي البلاد هو ، وهبني عرفته من أين أصل إليه ، وجلست مفكراً حتى أصبحت ، فصليت وجلست موضعي ورحل أصحابي ودخلوا دمشق وصهرتني الشمس فترددت بين المقام وبين الدخول . فقلت : إن دخلت لم آمن من أن يجيء رسول الرجل يطلبني فلا يجدني ولا يعرف موضعي ، وأكون قد جنيت على نفسي جنانة ثانية ، فأقمت ونفذت رحلي مع بعض أهل المدينة ، وجلست في ظل جدار هناك . فلما أضحى النهار إذا أحد الخادمين اللذين كانا بالأمس مع الرجل قد أقبل إلي ، فما أذكر إنني سررت بشيء مثل سروري بالنظر إليه . فقال لي : أنا منذ الصباح أطوف في طلبك في رفقتك . فقبل أن أسأله عن شيء قلت : من صاحبي ؟!! فقال: ولي العهد الوليد ابن يزيد فسكنت نفسي ، ثم قال : قم فاركب ، وإذا معه دابة ، فركبت ودخلت إليه ، فإذا الجارية قد أفرد لها حجرة وهي فيها ، فأدخلني إليها. فلما رأتني وثبت وسلمت علي ، فقلت : ما كان منك ؟!! قالت : دخل إلى داره وأنزلت ههنا وتفقدت بما أحتاج إليه ، وأنا كما ترى بثياب السفر ، فجلست عندها ، وإذا الخادم قد أقبل فقال : قم ، فقمت ، وأدخلني إلى صاحبي بالأمس ، وهو جالس على سريره ، فقال : من تكون ؟!! فقلت : يونس الكاتب ، فقال مرحباً بك ، قد كنت والله إليك مشتاقاً ، وكنت أسمع بخبرك فكيف كان مبيتك في ليلتك ؟!! فقلت : بخير أعز الله الأمير. فقال : أما ندمت على ما كان منك البارحة ، وقلت دفعت جاريتي إلى رجل لا أعرفه ؟!! فقلت : أيها الأمير معاذ الله أن أندم ولو أهديتها إلى الأمير ، وما قدر هذه الجارية ؟!! فقال : لكني ندمت على أخذها منك ، وقلت : رجل غريب لا يعرفني وقد غممته الليلة ، وسفهت رأبي في استعجالي في أخذها . أفتذكر ما كان بيننا بالأمس ؟!! قلت : نعم ، قال : أوقد بعتني الجارية بخمسين ألف درهم ؟!! قلت : نعم . قال : هات يا غلام المال ، فجاء به الغلمان يحملونه ووضعوه بين يديه . قال : هات يا غلام ألف دينار مفرداً فجيء بالكيس فوضعه ثم قال : هات خمسمائة دينار أخرى فجاء بها فوضعها أيضاً ثم قال : هذا مال ثمن جاريتك ضمه إليك . وهذا ألف دينار لحسن ظنك بنا ، وهذه خمسمائة دينار لنفقة طريقك وما تبتاعه لأهلك ، أرضيت ؟!! فقبلت يده ورجله وقلت : قد والله ملأت عيني ويدي . قال : يا غلام قدم إليه دابة بسرجها ولجامها لمركوبه وبغلاً لثقله . ثم قال إذا بلغك أن هذا الأمر قد أفضى إلي فزرني ، فوالله لأملأن يديك ولأغنينك ما بقيت . فخرجت وتوجهت إلى بلدي . فلما أفضت الخلافة إليه صرت إليه فوفى والله بوعده وزاد ، وكنت معه في أيسر حال ، وأسنى منزلة ، وقد اتسعت أحوالي ، واقتنيت من الضياع والأملاك ما أعيش فيه إلى الآن ومن بعدي ، ولم أزل معه حتى قُتل .


من كتاب " المستجاد من فعلات الأجياد " للقاضي التنوخي البصري أبو علي ( المتوفى : ٣٨٤هـ )

لا تنسوا عبدالله " ياقوت " من صالح الدعاء .

. . . . . . .

قد نذكر في بعض [ القُصاصات ] شُرب النبيذ!! وحتى لا يعيب الناس هذا وجبت الإشارة : قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " وكان عامة شرابهم من نبيذ التمر ، وقد تواترت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين وأصحابه رضى الله عنهم أنه حرّم كل مسكر ، وبيّن أنه خمر. وكانوا يشربون النبيذ الحلو ، وهو أن ينبذ في الماء تمر وزبيب ، أي يُطرح فيه ، والنبذ الطرح ليحلو الماء ، لا سيما كثير من مياه الحجاز فإن فيه ملوحة ، فهذا النبيذ حلال بإجماع المسلمين ؛ لأنه لا يُسكر ، كما يحل شرب عصير العنب قبل أن يصير مسكرا . "

حُرِرَت من قِبل في الجمعة، 01 أيار 2015

لا يوجد تعليقات، كُن أول من يكتب تعليقاً..
الرجاء تسجيل الدخول للتعليق